"أوسلو" و "السلطة" والإسناد الدولي عوامل تمنع مقاضاة إسرائيل

تم نشره في الخميس 21 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً

غزة - على الرغم من أن المحكمة الدولية لجرائم الحرب شهدت مثول مجرمي حرب عالميين، مثل الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش في العام 2001، إلا أن مثول نظرائه من الإسرائيليين لم يعد يتحقق اليوم مطلقًا لـ"غياب الإرادة الدولية".
فعشرات الآلاف من الأدلة والإثباتات والقضايا جمعتها مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي على مدى سنين طويلة؛ إلا أنه يندر جدًا أن تُبصر أيٍ من تلك الشكاوى النور بسبب "مراوغة" القانونين الإسرائيلي والدولي اللذين "يفتقدان للعدالة".
ويُقر ممثلو مؤسسات حقوقية فلسطينية أن غياب الإرادة الدولية والمراوغة الإسرائيلية في التهرب من الاعتراف بأي من جرائمها وتسويف السلطة الفلسطينية هي الأخرى تجاه خطوات قانونية يمثل عقبةً أمام الكثير من تلك القضايا المرفوعة ضد الاحتلال ومثول مُجرميه أمام محاكم الجنايات الدولية.
ويقول مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان راجي الصوراني إن المدعي العام العسكري الإسرائيلي يفرض شروطًا من شانها أن تُحبط أي ملاحقة أو شكوى تُسجل لصالح الفلسطينيين عبر تقييد العمل القانوني لأقصى درجاته.
ويشير الصوراني في مقابلةٍ مع وكالة "صفا" إلى أن المدعي العام الإسرائيلي تمكن من إحباط أي ملاحقة مرفوعة ضد جنود أو قادة إسرائيليين بالجيش من خلال ما يُسمى القانون رقم (8) المعدل في كانون الاول (ديسمبر) 2012 والذي جاء فيه: "كافة الأعمال العسكرية والحربية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي تمثل جزءًا من المهام الاعتيادية لأفراد الجيش ولا يحق لأي منظمة التحقيق في أعمال الجيش".
ويلفت إلى أن المحاكم الإسرائيلية تفرض "كفالات قضائية" تصل أحيانًا إلى 10 ملايين دولار بدعوى "إثبات جدية" الطرف الفلسطيني المتقدم بالشكوى.
وأعلن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الـ11 من الشهر الجاري تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان في قطاع غزة المحتل في سياق العمليات العسكرية التي جرت منذ 13 يوليو الماضي.
ويشير الصوراني العامل في المجال الحقوقي منذ 35 عامًا إلى أن مؤسسته وحدها قدمت على سبيل المثال 1558 قضية وملفًا بجرائم حرب للمدعي العام الإسرائيلي خلال الحرب التي شنها الجيش في 2008-2009، إلا أن الغالبية العظمى لم تنجح بسبب التعديل الدوري للقانون الإسرائيلي خشية نجاح أي قضية تقضي بتقديم أي من قادة وضباط "إسرائيل" للعدالة المحلية أو الدولية.
ويقول مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن اتفاقية "أوسلو" الموقعة في العام 1993 وقفت حائلاً من خلال حظر رفع أي قضية أو ملف بجرام حرب أو ملاحقة عن طريق محامي فلسطيني –"غير معترف بهم إسرائيليًا" أو المحاكم الفلسطينية، على أن يكون تقديم تلك القضايا عبر محامين إسرائيليين بمحاكم إسرائيلية فقط.
ولم يقف القانون الإسرائيلي وحده عقبةً أمام ملاحقة جنوده وضباطه على جرائم حرب؛ بل إن الإرادة الدولية كانت حاضرة في منع نجاح أي مقاضاة فلسطينية ضد "إسرائيل".
ويذكر الصوراني أن القانون البريطاني تمكن من تعديل بعض مواد دستوره لتمكين وزيرة العدل الإسرائيلية السابقة "تسيفي ليفني" من الإفلات من العقاب بعيد تقديم شكاوى ضدها على خلفية تورطها بحرب 2008-2009 على قطاع غزة.
ويوضح أن الإرادة الدولية السياسية لطالما وقفت عثرةً أمام ملاحقة "إسرائيل" من جانب المؤسسات الحقوقية، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي أيد بشدة محاكمة الرئيس الصربي المجرم، في حين يذهب إلى تعديل مواد دساتيره لصالح "إسرائيل".
ولم تقف الإرادة الدولية أو قيود الاحتلال وحدها أمام انتصار الحق الفلسطيني؛ فقد شكل تعطيل السلطة الفلسطينية لتقرير "غولدستون" لتقصي الحقائق في العام 2009 هو الآخر "فرصةً ثمينة لملاحقة إسرائيل".
كما لم تقم السلطة الفلسطينية منذ أن حازت على لقب "الدولة غير العضو" قبل سنتين بالتوقيع حتى اليوم على اتفاقية روما التي بموجبها تم انشاء المحكمة الجنائية الدولية ومن خلالها تستطيع ملاحقة ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب الإسرائيليين.
وكانت "إسرائيل" رفضت مؤخراً طلبات متكررة قدمتها منظمتا "أمنستي" الممنوعة من دخول غزة منذ 2012 و"هيومان رايتس ووتش" الممنوعة منذ 2006 للوصول إلى هناك لتوثيق الدمار والوقوف على طبيعة الأسلحة المستخدمة.
من جانبه، يُؤمن مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان عصام يونس أن ما يمكن أن يكون "فشلاً" فلسطينيًا في مقاضاة "إسرائيل" يمثل في المقابل نجاحًا مختلفًا من خلال الاستمرار في العمل إيمانًا بمبدأ ضرورة إبقاء القضية حية للعيان.
ويدعو يونس في مقابلته مع "صفا" المؤسسات الحقوقية الفلسطينية إلى استمرار أعمال التوثيق ورفع القضايا للجهات الخاصة لتكون شهادةً أبدية أمام كل مسئول سياسي قد يدعي أنه "يجهل" أي جزئية من العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين. ويشير إلى أن تميز ونجاح المؤسسات الحقوقية الفلسطينية يتمثل في إعادة كشف وتعرية الجرائم الإسرائيلية وفق المفهوم الدولي وضرورة الإبقاء على فاعلية قضية شعب يتعرض للظلم منذ عقود.
ويعتقد مدير مركز الميزان أن أحداث الربيع العربي ساهمت في "تراجع" موقع القضية الفلسطينية لدى العرب إلى الوراء، وهو ما يستوجب تكاتف المؤسسات الوطنية لإعادة القضية إلى الصدارة مجددًا.-  (صفا)

التعليق