أردوغان ومفارقة الشعبوية

تم نشره في الخميس 21 آب / أغسطس 2014. 11:00 مـساءً
  • الرئيس التركي رجب طيب أردوغان - (أرشيفية)

جان-فيرنر مولر*

فيينا- لم يكن انتصار رجب طيب أردوغان في أول انتخابات رئاسية مباشرة تشهدها تركياً بالحدث المفاجئ. فأردوغان يحظى بشعبية كبيرة. وكان يركب خلال سنيه التي قضاها في منصبه كرئيس للوزراء منذ العام 2003، موجة النجاح الاقتصادي. ولكنه أيضاً زعيم شعبوي كان يعمل بشكل ثابت على إحكام قبضته على الدولة ووسائل الإعلام، وكان يلجأ دائماً إلى تشويه وشيطنة كل المنتقدين (بمن في ذلك العديد من الحلفاء السابقين، مثل رجل الدين المغترب فتح الله غولن).
كما هو الحال مع غيره من الزعماء الشعبويين، مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أو الراحل هوجو شافيز في فنزويلا، فإن التوفيق بين وعود أردوغان الانتخابية وبين أدائه في المنصب يظل لغزاً كبيراً. وعادة ما تبدأ مثل هذه الشخصيات بمهاجمة فساد خصومهم واتهامهم باختطاف الدولة لصالح مؤسسة سياسية تخدم أغراضاً خاصة وتستبعد مصالح المواطنين العاديين، لكن الأمر ينتهي بهم بعد وصولهم إلى السلطة إلى التصرف على النحو نفسه تماماً، فيتعاملون هم بدورهم مع الدولة وكأنها ملكية خاصة لهم أو لأحزابهم وينخرطون في الفساد، أو يتغاضون عنه على الأقل.
في العادة، لا يضر هذا النفاق الواضح بالآفاق الانتخابية للزعماء الشعبويين، كما أثبت نجاح أردوغان بشكل واضح. ولكن، ما السبب؟
خلافاً للتصور التقليدي السائد، فإن الشعبوية غير محدودة بجمهور انتخابي بعينه -مثل الطبقة المتوسطة الدنيا- أو بسياسات تبسيطية ترضي الجماهير، كما يزعم المراقبون الليبراليون عادة. إن الشعبوية هي تصور يحمل تفسيراً أخلاقياً بالكامل للسياسة، والزعيم الشعبوي هو سياسي يزعم أنه -هو وحده- يمثل الشعب عن حق، وبالتالي فإنه يحصر المعارضين السياسيين كافة ويختزلهم في دور الأدعياء الأشرار.
وراء هذا الادعاء، يكمن افتراض إضافي مفاده أن الناس لديهم إرادة مشتركة واحدة تسعى بصدق إلى تحقيق الصالح العام، وأن زعيم الشعب الأصيل -مثل أردوغان الذي أدار حملته تحت شعار "الإرادة الوطنية والقوة الوطنية"- قادر على تعريف وتنفيذ هذه الإرادة. أي أن الزعماء الشعبويين لا يعادون النخبوية فحسب؛ بل إنهم مناهضون بالضرورة، للتعددية وبالتالي مناهضون لليبرالية. وهم ينتهجون دوماً سياسات استقطابية، تقسم المواطنين الفعليين إلى أشخاص أنقياء أخلاقيين وأخرين بلا أخلاق -الذين وصفهم أردوغان ببساطة بـ"الخونة".
في نظر الزعيم الشعبوي، من غير الممكن أن يكون هناك ما قد يسمى معارضة مشروعة. فكل من يقف ضد الزعيم يكون ضد الشعب تلقائياً. ووفقاً لهذا المنطق، فإن كل من يقف ضد الشعب من غير الممكن أن يكون منتمياً إلى الشعب حقاً.
هذا هو ما يفسر الاتهام الذي وجهه أردوغان إلى المحتجين في غازي بارك في الصيف الماضي، والذين تظاهروا ضد خطط الحكومة الرامية إلى بناء مركز تسوق تجاري هناك، بأنهم لا يستحقون أن يكونوا أتراكاً على الإطلاق. كما يفسر أيضاً تصريحه المذهل في وقت سابق من هذا العام عندما قَبِل تسمية حزب العدالة والتنمية له مرشحاً للرئاسة: "نحن الشعب. فمن أنتم إذن؟".
يُقال عادة إن الزعيم الشعبوي لا يستطيع أن يحكم، أو أنه سوف ينكشف كشخص يفتقر إلى الكفاءة عندما ينتخب للمنصب. ووفقاً لهذا الرأي، فإن الأحزاب الشعبوية في الأساس أحزاب احتجاجية، والاحتجاج من غير الممكن أن يحكم، لأنه من المستحيل أن يحتج المرء ضد نفسه.
غير أن الأمور ليست بهذه البساطة. فالزعيم الشعبوي عادة ما يتبنى أسلوب حكم يعكس الاتهامات نفسها التي يوجهها إلى المؤسسة السياسية السابقة. فينتزع أي قدر من السلطة يمكنه انتزاعه، ويعطل الضوابط والتوازنات، ويملأ مناصب الدولة بالمحاسيب والمقربين، ويكافئ أنصاره (وأنصاره فقط) بفوائد ملموسة في مقابل ولائهم -أو ما يطلق عليه علماء السياسة وصف "المحسوبية الجماعية". وعلى سبيل المثال، يوزع كبير الشعبويين النمساوي يورج هايدر على "شعبه" في الشارع أوراق عملة من فئة المائة يورو (134 دولارا أميركيا).
بطبيعة الحال، تسعى كل الأحزاب إلى رعاية جمهورها الانتخابي أولاً. ولكن الغريب في الساسة الشعبويين هو أنهم يفعلون هذا علناً وبضمير مرتاح. فإذا كان أنصارهم فقط هم "الشعب" حقاً، فلا بد أن الجميع باستثنائهم لا يستحقون.
وفي السياق ذاته، تميل الأحزاب الشعبوية إلى استعمار الدولة. فإذا كان حزب واحد يمثل الشعب حقاً، فلماذا لا تصبح الدولة أداة بيد الشعب؟ وعندما تسنح الفرصة للشعبويين لكتابة دستور جديد، فما الذي يمنعهم من منع أي معارضة، والتي لا بد أن تتألف بحكم التعريف من أعداء الشعب (الذين كثيراً ما يتهمون بكونهم عملاء أجانب)؟ وهذا هو ما يفسر السبب في أن محسوبية الحكومات الشعبوية وفسادها لا تؤديان إلى تآكل دعم زعمائها بين جمهور الناخبين. ومن المتصور أن مثل هذه الممارسات تخدم "نحن"، أصحاب الأخلاق، على حساب "هم" من غير الأخلاقيين أو الأجانب.
من هنا فإن اعتقاد الليبراليين بأن ما عليهم سوى أن يفضحوا فساد الشعبويين لتكذيبهم أضغاث أحلام؛ إذ ينبغي لهم أيضاً أن يُظهِروا أن المحسوبية لا تعود بأي فائدة على الغالبية الساحقة من المواطنين، وأن الافتقار إلى المساءلة الديمقراطية، والبيروقراطية المختلة، وتآكل سيادة القانون، من شأنه في الأمد البعيد أن يلحق الضرر بالمواطنين -جميعهم.

*أستاذ السياسة في جامعة برينستون، وزميل زائر في معهد العلوم الإنسانية، فيينا. وهو عضو كلية الدراسات التاريخية في معهد الدراسات المتقدمة. آخر كتبه هو "تحدي الديمقراطية: أفكار سياسية في أوروبا القرن العشرين".
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق