السياسة الأميركية في سورية: الغايات تحدد الوسائل

تم نشره في الأحد 24 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً
  • مقاتلون من الجيش السوري الحر الذي يحسب على "المعتدلين" - (أرشيفية)

توماس فريدمان — (نيويورك تايمز) 19/8/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في الأيام الأخيرة، أثارت هيلاري كلينتون مجدداً نقاش "من الذي ضيع سورية" عندما أشارت إلى أن الرئيس أوباما ارتكب خطأ عندما أحجم عن التدخل بقوة أكبر في وقت أبكر من الحرب الأهلية السورية، من خلال تسليح الثوار المؤيدين للديمقراطية. ما يزال لدي تحفظ حيال هذا التدخل -تحفظ من حيث أنه كان هناك ما يكفي من "ثوار الاتجاه السائد" هؤلاء، ومتحفظ إزاء القول بأنهم يستطيعون هزيمة جيش الرئيس بشار الأسد والإسلاميين المتطرفين، وبالتالي حكم سورية. وعليه، إذا حاول الناس تسويق هذه الفكرة عليك، فإن عليك أن توجه إليهم هذه الأسئلة قبل أن تقرر ما إذا كنت ستقف إلى جانب كلينتون أم إلى جانب أوباما.
1 -    هل باستطاعتك تسمية الزعيم الراهن للائتلاف الوطني السوري العلماني، الذي يمثل المعارضة المعتدلة، وأول ثلاثة مسؤولين في هذه المنصة السياسية؟
سوف تتشكل لديك ثقة إضافية إذا استطاعوا تسمية العام الأخير الذي استقر فيه قائد الائتلاف الوطني السوري في سورية. تلميح: قبل عدة أعوام.
2 -    هل تستطيعون تفسير السبب في أن إسرائيل -جارة سورية التي تتوافر على معلومات استخبارية عن سورية أكثر من أي أحد آخر، والتي من الممكن أن تكون متأثرة بالنتيجة بنفس القدر مثل أي أحد آخر- اختارت عدم المراهنة على الثوار السوريين العلمانيين المعتدلين أو تسليحهم بما يكفي لإسقاط الأسد؟
3 -    لقد غزت الولايات المتحدة العراق بقوات يربو عديدها عن 100.000جندي، واستبدلت حكومته بحكومة جديدة، وقمعت المتطرفين الإسلاميين فيه، ودربت جيشاً عراقياً "معتدلاً". ولكن، في اللحظة التي غادرنا فيها تحول رئيس الوزراء العراقي "المعتدل" إلى زعيم طائفي. ومع ذلك، وفي سورية، توأم العراق، كان من المفترض بنا الاعتقاد بأنه كان بإمكان الثوار المعتدلين إسقاط الأسد وحكم سورية من دون وجود قوات أميركية برية، مجرد تسليح الثوار الجيدين. حقاً؟
4 -    كيف سيكون باستطاعة الثوار السوريين الجيدين الانتصار في سورية عندما يكون الممولون الرئيسيون للعديد جداً من مجموعات الثوار هناك هم دول سنية متشددة، والتي تعارض جوهر السياسات الديمقراطية التعددية في بلدانها الخاصة، وهي التي يتطلع الثوار السوريون إلى تأسيسها في سورية؟
5 -    حتى لو كان قد تم تسليح الثوار المعتدلين السوريين، فكيف سيكون باستطاعتهم إلحاق الهزيمة بائتلاف عصابات وجيش العلويين السوريين، المدعوم من روسيا ومن إيران ومن حزب الله -وكلهم يلعبون وفق "قواعد حماة"، وهي ليست قواعد أبداً- من دون تدخل الولايات المتحدة؟
6 -    كيف تسنى لنحو 15.000 رجل مسلم قادمين من عموم العالم الإسلامي السفر إلى سورية للقتال دفاعاً عن الجهادية، ولم يتوجه أي أحد إلى ذلك البلد للقتال دفاعاً عن التعددية، ومع ذلك لن يستطيع المقاتلون السوريون المعتدلون إلحاق الهزيمة بنظام الأسد وحسب، بل وأيضاً بكل هذه الفرقة الأجنبية الجهادية- لو أننا سلحناهم بشكل لائق فقط.
إن الفكرة القائلة بأن السبب الوحيد لنجوم المليشيات الإسلامية هو أننا خلقنا فراغاً من خلال عدم تسليح الثوار العلمانيين هي فكرة مضحكة ومثيرة للسخرية. فلطالما كانت سورية تتوافر على التشدد السني السري. وفي العام 1982، عندما ارتكب الرئيس السوري حينذاك، حافظ الأسد، مجزرة حماة، فقد كان ذلك جهداً يرمي إلى محو الإسلاميين السوريين. أجل، كانت هناك جذور ثقافية للتعددية في سورية –وهو بلد فيه العديد من المسيحيين والمسلمين العلمانيين- لكنه يوجد هناك العكس أيضاً. لا تستصغر نفسك.
ذلك ما يفسر السبب فيما قاله لي، أثناء زيارة قصيرة إلى داركوش في سورية في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2012، قائد محلي للجيش السوري الحر، هو معتصم بيلا أبو الفداء، أنها ستكون هناك حرب أخرى في سورية، حتى بعد إسقاط نظام الأسد. وأضاف أنها حرب "ستستغرق خمسة أو ستة أعوام"، لأن الأحزاب الإسلامية "تريد تطبيق الشريعة ونحن نريد الديمقراطية." وسوف تندلع هناك حربان أهليتان أخريان: الليبراليون والجهاديون ضد الأسد، والليبراليون والجهاديون ضد بعضهم بعضاً.
لا تفهموني خطأ. إن قلبي مع الليبراليين السوريين الشجعان الذين تجاسروا على النزول إلى الشوارع والمطالبة بتغيير النظام -غير مسلحين. إنهم أناس لائقون وجيدون من النوع الذي تحب أن تراهم يحكمون سورية. لكن الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر كثيراً من مجرد تقديم أسلحة أفضل إليهم لهزيمة الأسد والجهاديين.
هنا يقف العراق ليعلمنا درساً. ويحتاج المرء للعودة وراء إلى انتخابات العام 2010 هناك، عندما كسب أياد علاوي، الشيعي العلماني، الذي حكم السنة والشيعة والمسيحيين على بطاقة معتدلة وتعددية -مثل المعتدلين في سورية- مقاعد أكثر من منافسه الرئيس، رئيس الوزراء (المتنحي) نوري كمال المالكي.
فما الذي مكن من ذلك؟ سأخبركم: قطعت الولايات المتحدة رأس نظام صدام ثم ساعدت في ولادة دستور وانتخابات عراقيين، بينما أقدمت القوات الخاصة الأميركية (والعراقية) إما على اعتقال أو قتل أسوأ المتطرفين السنة والشيعة. وقد استأصلنا كلا المتطرفين من دون إطلاعهم على حقوق "ميراندا" الخاصة بهم أبداً. وذلك ما أعطى وسط العراق المعتدل الفضاء والثقة والقدرة على دعم الأحزاب متعددة الطوائف، وهو ما أراده العديد من العراقيين. لكن ذلك الوسط لم يتمكن من الصمود عندما غادرت قواتنا أرض العراق.
لم أعد أريد رؤية قوات أميركية في سورية أكثر من أي أحد آخر، لكنني لا احترم الحجة القائلة بأن مجرد تسليح الثوار المؤيدين للديمقراطية كان سينجز المهمة. نعم، هناك ثمن لعدم تصرف أوباما، لكن هناك ثمناً أيضاً للتصرف الفعال، وهو ما يجب أن يكون المنتقدون أمينين وشرفاء بشأنه. إنه يدعى القوة الدولية. إننا لا نتعامل فقط مع دول تتفكك، وإنما مع مجتمعات بأكملها -وإن إعادة بنائها هي أم كل مشروعات بناء الأمة. فاعقد العزم على النهاية، تجد الوسيلة. وبغير ذلك، فإنك لا تكون جاداً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Will the Ends, Will the Means

abdrahman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق