كم طناً من الإسمنت تلزم عملية إعادة إعمار غزة؟

تم نشره في الأربعاء 27 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً
  • امرأة تسير قرب بنايات مدمرة جراء العدوان الصهيوني في مدينة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة - (رويترز)

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان- تغطي الطابق الثاني من مصنع "العودة" طبقةٌ من سائلٍ أحمرٍ لزج وكأن مجزرةً حدثت هناك.
لكن الحقيقة؛ ولحسن الحظ؛ كانت أخف بشاعةً: فقد مزقت قذيفة دبابة إسرائيلية صناديق عصير الفراولة، التي كان من المفترض أن تباع خلال شهر رمضان الكريم قبل أن تعترض الحربُ ذلك.
وحتى شهر مضى؛ وظف هذا المصنع 600 شخص في إنتاج ما يقارب 125 نوعاً مختلفاً من الوجبات الخفيفة والمتمثلة في كل شيءٍ من "ويفر الشوكولاته إلى البسكويت والمثلجات".
وها هو الآن قد دُمر؛ فالغرفة التي احتوت الحليب والزبدة والسكر آلت ركاماً واهناً من سكريات الطرود المتفحمة الذائبة، بينما صنعت القذيفة مصادفةً ممراً لإجلاء ما تبقى من بسكويت من زحف النار فيما تمزقت آليات صناعة رقائق البطاطا (المستوردة من أوروبا) أشلاءً.
خمن مالك المصنع محمد الطالباني قيمة إنتاج منشآته عند 30 مليون دولار، وهو مجموع ما عمل عليه طيلة حياته؛ حيث بدأ عمله بعد إنهائه دراسته الثانوية في أواخر الستينيات من القرن الماضي؛ إذ كان يصنع حلوى السمسم وجوز الهند يدوياً في منزله الواقع في مخيم المغازي للاجئين في قطاع غزة حينئذ.
ويؤمن الطالباني أن مصنعه لم يكن جزءاً من الأضرار الجانبية التي خلفتها المعركة التي تجري حالياً، إنما جزءاً من حملة إسرائيلية اقتصادية واسعة يشنها الكيان على سكان قطاع غزة بطبيعة الحال.
كما وشدد أيضاً على أن مقاتلي المقاومة يتواجدون حتى بالقرب من مصنعه حين تم ضربه.
وفي حين أن مطالبات الطالباني مستحيلة التحقيق؛ لا يمكن لأحد أن ينكر الدمار الاقتصادي الذي حل بغزة.
وقدرت حكومة السلطة الفلسطينية أن تكاليف إعادة بناء القطاع يُحتمل أن تصل إلى 6 مليارات دولار: في ضوء تدمير جيش الاحتلال قرابة 50 ألف منزل أو على الأقل أحدث أضراراً جسيمة في معظمها، بينما توقف 250 مصنعا عن العمل، فضلاً عن تعرض منشأة معالجة مياه الصرف الصحي ومحطة الطاقة التابعين للقطاع إلى أضرار كبيرة والذي قلص المتاح من ماء الشرب إلى جانب تسببه في إيجاد أزمات لمواطني القطاع.
وفي تصريحات له أدلى بها يوم الأربعاء في 13 آب (أغسطس) اليوم نفسه الذي أُعلن فيه تمديد وقف إطلاق النار مدة خمسة أيامٍ إضافية، أوضح رئيس الوفد الفلسطيني للمفاوضات عزام الأحمد أن هناك تقدما كبيرا في الجهود المبذولة من أجل رفع الحصار الاقتصادي الإسرائيلي عن القطاع، ولكن يبقى الخلاف حول مسألة إعادة تعمير القطاع.
وبشكل عام؛ لن تقرر هذه المحادثات إذا ما كان بإمكان مواطني القطاع إعادة إعمار بيوتهم بعد الحرب فقط؛ حيث ستلعب دور الأداة المهمة في الجهود الإسرائيلية الصابية إلى إضعاف قبضة حماس على القطاع!
والأمر؛ كما وصفه وزير المالية الإسرائيلي يائير لابيد "لن يكون هناك إعادة ترميم للقطاع، بدون أن يكون في الوقت نفسه نوع ما من نزع السلاح المتواجد في غزة".
وستبدأ محادثات إعادة الإعمار ضمن مؤتمر للجهات المانحة سيعقد على الأرجح في "شرم الشيخ" مصر خلال شهر أيلول (سبتمبر) المقبل، كما أوضح ممثل قطاع غزة والضفة الغربية في "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" فرود مورنغ لمجلة "فورين بوليسي".
وسيتم ضخ التمويل عبر السلطة الفلسطينية، التي ستوكل إليها مهمة قيادة أعمال إعادة الإعمار.
ورغم ما سبق، لا يتجسد التحدي الكبير في حشد ما يكفي من الأموال، وإنما في التوفيق بين احتياجات إعادة الإعمار وبين المطالب السياسية لجاري غزة المناهضين لحماس بشراسة مصر و"إسرائيل".
وتعد عملية استيراد مواد البناء، من أجل إعادة تعمير عشرات الآلاف من منازل قطاع غزة المدمرة، مسألة محفوفة بالمشاكل بحد ذاتها؛ إذ استخدمت حماس كميات ضخمة من الاسمنت التي يُزعم بأنه تم تهريبها عبر الحدود المصرية في فترة حكم حسني مبارك ومحمد مرسي من أجل إنشاء شبكة أنفاقها الواسعة، التي شكلت وما تزال تشكل تهديداً قاتلاً لإسرائيل خلال الحرب الحالية. ولهذا السبب، سمحت القدس لوكالات الأمم المتحدة فقط بأن تستورد الاسمنت -بينما ستتم الحيلولة دون تخفيف القيود الموضوعة على مواد البناء التي يمكن أن تستخدمها الجماعة الإسلامية الفلسطينية لإعادة إعمار شبكة أنفاقها.
ومع ذلك، يصر مورنغ على ضرورة تخفيف الآليات المعقدة المعدة لضمان الاستخدام المناسب للإسمنت من أجل إنجاز عمليات الإعمار الهائلة في غزة.
ويحتاج النظام الحالي إلى وكالات الإغاثة في الأمم المتحدة من أجل استيراد الكمية المطلوبة من الإسمنت التي يحتاجها مشروع ما في موقع عمل محدد فقط، وإلى تخزين الكميات غير المستخدمة خلال اليوم في مستودع مركزي مع الاحتفاظ بسجلات دقيقة لكمية الإسمنت المستخدمة والأخرى المتواجدة في المستودع حالياً.
وكان هذا الأمر ليكون سهل التطبيق لو أن مشاريع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كانت قليلة في القطاع؛ حيث إن عمليات ترميم القطاع ستكون واسعة بحيث يصعب احتواؤها.
"ستكون هذه الآليات عقبة رئيسية إذا ما بقيت متبعة في إعادة إعمار غزة، حيث لن نستطيع أن نتواجد شخصياً في 50 ألف موقع للإشراف على استخدام كل كيس من الإسمنت، فلن يكون ذلك مجدياً".
ومن هذا المنطلق، اقترح مورنغ نظاماً يستطيع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن يوصل عبره الإسمنت إلى الأسر التي دمرت منازلها جزئياً كنتيجة للقصف، بينه في أن هذه ستمتلك حينئذ الحافز لكي تستخدم الإسمنت في ترميم منازلها، بدلاً من أن تسلم هذه المواد إلى حماس. "يبقى أن نرى إذا ما كانت إسرائيل ستوافق على هذه السياسة أم لا".
مع ذلك، هناك مشاكل تعد أكثر إلحاحاً حتى من إمدادات الإسمنت فقد قصفت محطة طاقة غزة خلال الحرب، تاركة معظم سكان القطاع يستخدمون الكهرباء من ساعتين إلى أربع فقط في اليوم.
وقدر مورنغ أن قطاع غزة كان يتلقى ما يقارب مجموعه 300 ميغاواط من الكهرباء من المحطة وخطوط الطاقة القادمة من مصر و"إسرائيل"، أما الآن، فهم يستقبلون نصف المجموع المذكور تقريباً.
وليست محطة الطاقة أمراً مهماً على صعيد إبقاء الأضواء مضاءةً وحسب؛ حيث إن "ضرب المحطة يعني توقف مضخات الصرف الصحي عن العمل، وإن مضخات الماء لا تعمل أيضاً"، وفقاً للمتحدث باسم منظمة أوكسفام الدولية نيت ماكري؛ إذ "يمكنك أن ترى بأم عينك مياه الصرف الصحي وغير المكررة تتسرب إلى الملاجئ وتلوث نظام المياه في القطاع".
ومن هنا، طرح مورنغ إمكانية جلب البارجة المحملة بمحطات الطاقة إلى شاطئ، بينما يتم إصلاح محطة الطاقة التابعة للقطاع التي قد يتطلب أمر ترميمها عاماً كاملاً.
وفي ضوء أن البحرية الإسرائيلية تسيطر على مداخل القطاع الفلسطيني من البحر، ستخضع هذه القضية إلى مفاوضات مطولة.
ولكن بالنسبة إلى مصنع "العودة"، كان أمر إضاءة المصابيح أقل ما يخشاه محمد الطالباني؛ حيث ضاق صبره من الأسئلة التي تخص كيفية إعادة ترميمه مصنعه، بينما كان يمضغ قطعة من ويفر الشوكولاته تم إنقاذها من ركام القصف. "يعتمد الأمر كلياً على السياسة (أن ترفع "إسرائيل" حصارها عن قطاع غزة)".
بواقع الحال، تطلب بناء المصنع من مالكه 40 عاماً، وسيحتاج ترميمه حالياً ما بين 4 و5 سنوات حتى وإن كان صاحبه يمتلك جميع ما يلزم من مال ومواد خام.
ورغم ما حدث، يبدي الطالباني إصراره على أن ينهض مجدداً "لقد بدأت حياتي من تحت الصفر، ورغنم أنني أملك الآن 5 % مما كنت أملكه قبل الحرب، ولكنني سأعمل على أن أعيد ترميم مصنعي فهو حياتي".

(مجلة فورين بوليسي)

التعليق