بين "الروشنة" و"الدعشنة" يضيع الجيل والمستقبل

تم نشره في الجمعة 29 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 29 آب / أغسطس 2014. 10:22 صباحاً

أسامة شحادة*

قفز للحياة مؤخراً مصطلح "الرَّوشنة"، الذي يقصد به ظهور الشباب بشكل متحرر ومتجاوز للأعراف العامة المنبثقة من مكارم الأخلاق على مستوى اللغة والشكل والسلوك، ومصدرها تقليد أعمى لتقاليع مستوْردة وسلوكيَّات جنونيّة من ثقافات غير إسلامية.
وتتمثل "الروشنة" في واقعنا بما نشاهده من لباس ومكياج فاضح وصارخ يقول: شوفوني! أو ما يتفوه به البعض علنا في الشوارع من شتائم لرفاقه، أو قيادة السيارات والدراجات بطريقة مستهترة بلا ذوق ولا خلق، أو ما يحدث في حفلات التخرج والأفراح والمهرجانات من سلوكيات مرفوضة. وهذا كله في محاكاة لما تضخه القنوات الفضائية وشبكات التواصل الإلكتروني من مناظر ومقاطع لحفلات الغرب الممتلئة بالمادية المتوحشة.
ومن مكونات هذه المقاطع للحفلات والسلوكيات الغربية في الإعلام تعاطي المحرمات والممنوعات، وتسليع المرأة والفتيات بوصفهن متعة جنسية فحسب. ويرافق هذا كله تعظيم وتفخيم للعنف والقتل والتدمير، في خروج عن كل الأعراف والأخلاق، حتى بالمعيار الغربي المتردي والمنخفض أصلا!
و"الروشنة" كجبل الجليد، يظهر جزء يسير منه فوق الماء، فيما أغلبه يبقى متواريا عن الأنظار، لكنه أكثر حجما وامتدادا وخطراً. والقسم الغاطس منه هو سبب للكوارث المدمرة والمصاعب المفجعة.
ولعل في تقرير "الغد" (المنشور بتاريخ 25 /8 /2014) عن انتشار الخمر والمخدرات بين طالبات الجامعات، مثالا على شدة خطورة ظاهرة "الروشنة" على مجتمعنا، وانفجار ظاهرة العنف الشبابي في الجامعات وخارجها، والتحرش الفردي والجماعي بالفتيات، فضلا عن تكون مجموعات هنا وهناك من الملاحدة وعبدة الشيطان والإيمو وغيرها.
ومقابل هذه الظواهر السلبية التي لا تخطئها العين -مع الأسف- في كثير من الأماكن، نجد ظاهرة الدعشنة –نسبة إلى تنظيم "داعش". إذ شهدت مجتمعاتنا بروز مجموعات شبابية تتفاخر بتأييد دولة "داعش" وجرائمها وتدافع عنها، وتحاول أن تحاكي ما يحدث في مناطقها برفع راياتها السوداء وإطلاق الأناشيد والهتافات!
و"الروشنة" و"الدعشنة" نتيجة طبيعية لتفريغ التعليم من مضمونه، من خلال سياسات عامة كالترفيع التلقائي الذي أورث الكسل والجهل بين الطلبة بحجة عدم تحمل ميزانية وزارة التربية لكلفة إعادة السنة للأعداد الضخمة من الطلبة الراسبين! فتم ترحيل المشكلة فقط للمرحلة الجامعية لتنفجر المشكلة الآن في وجه الجميع.
فعندنا عشرات الآلاف من الخريجين غير الأكفاء، والدليل نتائج امتحان المتقدمين لوظيفة معلم مؤخرا؛ إذ من أصل 6300 متقدم اختبر 5000 شخص، نجح منهم 3125 شخصا فقط! بل وصلت الملهاة المبكية أن بعض خريجي تخصص الشريعة الإسلامية لم يستطيعوا الإجابة عن سؤال حول الفرْق بين السور المكية والمدنية، وهي معلومة تدرس لطلبة المدارس!
وهؤلاء المعلمون غير الأكفاء الذين تسربوا للتعليم في السنوات الماضية، هم سبب نتائج الثانوية العامة "التوجيهي" الهزيلة بعامة، بل لم ينجح في 324 مدرسة حكومية أي طالب!
هذا الخلل في الوضع التعليمي بعامة، ومادة التربية الإسلامية بخاصة، جعل الجيل الصاعد وصانع المستقبل مفرغا تماماً أمام ظاهرة "الروشنة" وظاهرة "الدعشنة". ولذلك، ينسحق فيهما ولا يتمكن من النجاة من مخالبهما، فيخسر وتخسر عائلته ويخسر المجتمع جميعاً.
ويرافق هذا الخلل الكبير في العملية التعليمية خلل أكبر في العملية الإعلامية، حيث المشكلة هناك أضخم، لأنها لا تقتصر على تفريغ الشباب والجيل القادم وصانع المستقبل من المعرفة الشرعية الصحيحة، بل تقوم بملء فراغ المعرفة الإسلامية الصحيحة بمحتوى معرفي وقيمي غالبا بمحتوى ضار ومؤذ لهؤلاء الشباب ولأسرهم ومجتمعهم.
فكمية العنف والتدمير والقتل التي تزرع في عقول ووعي أولادنا ضخمة جداً، وتمتد من برامج الأطفال إلى المسلسلات والأفلام، مرورا حتى بالإعلانات وبرامج القتال؛ أو الترويج لنموذج "الروشنة" المنحل أخلاقياً والمنحرف قيمياً بأصله الغربي أو طبعاته المحلية من العربية والهندية والتركية والمكسيكية وغيرها؛ أو ترسيخ منهج المادية المفرطة والاستهلاكية المؤذية بالإنفاق على الكماليات التي تستنزف الناتج القومي بالاستيراد الغبي، فيتعطل مسار التنمية وتنحرف دورة الاقتصاد بما يصبّ في صالح رأسماليين جشعين يشتمهم مثقفو العلمانية والحداثة واليسار وهم يحتسون القهوة في مقاه غربية، مع إطلاق حلقات الدخان من السيجار الأجنبي الفاخر!
أما التيار الإسلامي بمختلف أطيافه، فهو يعلن في العموم رفضه لظاهرتي "الروشنة" و"الدعشنة"، ويعمل لمقاومة هاتين الظاهرتين، لكنه يعاني من قصور من ناحية قلة حجم التركيز والاهتمام على الظاهرتين برغم خطورتهما وأولويتهما من جهة، ومن حيث مضمون وجودة وملاءمة المضمون والأسلوب في علاج هاتين الظاهرتين من جهة أخرى.
هذا يستدعي من التيار الإسلامي وقفة مراجعة وتقييم للواقع، ووضع خطة وبرنامج أكثر فاعلية في حصار هاتين الظاهرتين، قبل أن يستفحل شرهما بشكل سرطاني لا يعالج إلا بمشقة وتعب شديد، وبعد خسارة آلاف الطاقات الشبابية في مسارات منحرفة، تجعل المستقبل داكناً لا مشرقاً.

*كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »معهم الحق (ابراهيم ابوهليل)

    الجمعة 29 آب / أغسطس 2014.
    الورشنة والدعشنة نتائج فشل الثقافة المزيفة التي شربنها منذ الصغر من كبت وفراغ وفقدان للديمقراطية الغربية الصحيحة. وشكراٍ
  • »المشكلة اكبر من ذلك (ابوعاصم)

    الجمعة 29 آب / أغسطس 2014.
    اتفق مع الاخ بكل ما جاء به من واقع مؤلم .. ولكن اضف إلى ذلك اولياء امور غير مبالين على الاطلاق.. ف الشباب الذي ضاع خلال فترة التسعينات والالفين تزوج وفتح بيوتا وانجب اطفالا لا يبالي بهم على الاطلاق بل على العكس يشجع ابناؤه على الغش وعدم احترام المعلم وعلى الروشنة او الدعشنة فأصبحت هذه الظواهر بدعم وتأييد من البيت نا هيك عن دعم وتأيد الدولة للروشنة بطرق عدة الامر الذي يدعم الدعشنة كردة فعل لدعم الدولة للروشنة ... فاصبحنا في وسط معمعة خطيرة الكل مشترك فيها.. والله المستعان
  • »لازم تتأكد قبل ان تدعي (لازم تتأكد قبل ان تدعي)

    الجمعة 29 آب / أغسطس 2014.
    تحميل المسؤولية للمعلمين عن نتائج الثانوية العامة هو جزء من " السحجنة " تعال اخي شوف قوانين وزارة التربية التي تمنع الرسوب المفتوح وتلزم المعلم بنسبة معينة للرسوب وهو ما يفرز اجيال جاهلة .