خطة إسرائيل العسكرية في غزة، وتقوية حماس

تم نشره في الأحد 31 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً
  • غزيون يحتفلون بالانتصار على إسرائيل في الحرب الأخيرة - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تغريد الخضري –

(هفنغتون بوست) 26/8/2014

أقطن في مكان غير بعيد عن متحف "آن فرانك" في أمستردام. وعادة ما تستوقفني العائلات الإسرائيلية القادمة إلى أمستردام للسياحة، وتسألني عن كيفية الوصول إلى المتحف. وبعد أن أبين لهم الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه، أسألهم من أي مدينة قدموا، ويقولون لي. وعندئذ أقول لهم أنني من غزة وأسير مبتعدة. وتتعقبني عيونهم المنذهلة بعض الوقت، قبل أن يتناولوا خرائطهم ويواصلوا المسير نحو المتحف.
اليوم، مررت بجوار ذلك المتحف الذي كنت قد زرته قبل ثلاث سنوات، وخطرت في بالي فكرة. في حين أن القضايا تبقى مختلفة في أساسها الجوهري نفسه، فإن قصة آن فرانك تحكي أيضاً عن طفلة صغيرة كانت تعيش في ظل الخوف من الحرب، والتي تركت لنا مفكرة بالغة الروعة عن تلك المشاعر من الخوف والموت.
ثمة في غزة اليوم آلاف من أشباه آن فرانك، لكن الأميركيين نادراً ما يرون كلماتهم مثلما رأوا كلماتها. ولعل الشعور الأكثر إيلاماً هو عندما لا يعتبر الآخرون حياتك بشرية تماماً، ولا يقيمونها بنفس قدر حيوات حتى أولئك الذين يحاولون قتلك؛ عندما لا تعني مشاعرك وروحك شيئاً؛ عندما تعرف أن العالم يشاهد، ومع ذلك يوجد أولئك الذين يهربون من الحقائق بإدارة رؤوسهم بعيداً عنها –أو انهم لا يحتاجون إلى إدارة رؤوسهم من الأساس، لأن قصة تشريدك وقهرك لم يقيض لها حتى أن تُقال من الأساس. والأسوأ، عندما يشرع الناس في القول: "إن فهمها معقد جداً ولن يتسنى حلها أبداً".
كنتُ قد غطيت أحداث الحرب على غزة في السنوات 2008-2009 لصالح صحيفة "نيويورك تايمز". وأنا أرفض أن أعطيها الاسم الذي أعطته لها إسرائيل والذي استخدمه الإعلام وساسة العالم: "عملية الرصاص المصبوب".
خلال تلك "الحرب"، كان مقاتلو حماس ضعيفون جداً وكانوا مختبئين. وقامت إسرائيل المغضبة بقتل العديد من المدنيين عن قصد. وقد شاهدت الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل. ومن الصعب نسيان كل تلك الجرائم، وما تزال رائحة الموتى تعود أقوى كلما قررت إسرائيل العودة إلى سياساتها الانتقامية القائمة على قتل المدنيين وإضعاف حماس. وخلال العام 2008، قتلت قوات الجيش الإسرائيلي المدنيين على أمل أن ينقلب الفلسطينيون ضد حماس. وبعضهم فعل، لكن آخرين لم يفعلوا، واستمرت حماس في السيطرة على قطاع غزة.
هذه المرة كان مقاتلو حماس أقوى خلال عملية إسرائيل البرية الأخيرة، واستطاعوا أن يجلبوا للناس العزة والكرامة اللتين كانوا يبحثون عنهما فيما هم يعيشون تحت الحصار والاحتلال العسكري الوحشي. قالت لي إحدى الأمهات في مقابلة عبر "سكايب" من غزة: "بعد الحرب، سوف أقبل أقدامهم. إننا نريد السلام، وإنما ليس بدون حماس". وإذا برهنت حماس على شيء، فهو أنها موجودة ولا يمكن تهميشها، نقطة.
قالت أم أخرى إن حماس استثمرت أموالها في قضية نبيلة من أجل إنهاء المعاناة الفلسطينية تحت الحصار. وقالت: "سبع سنوات من أعمارنا انقضت عبثاً، وها هي حماس تثبت أنها لا تسرق المال كما فعل الآخرون".
تعتقد إسرائيل أنها إذا ضغطت بقوة فإنها ستفوز. ونية إسرائيل واضحة: أضعفوا حماس ولا تمنحوهم أبداً فضل إنهاء الحصار. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، تقوم إسرائيل بقتل المزيد من الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمر بالكامل كل أجزاء غزة وبنيتها التحتية.
كانت حرب 2008-2009 وحشية، لكن هذه الحرب أسوأ. الآن تقوم إسرائيل عمداً وعشوائياً بقصف المدارس حيث يحتمي الناس (وحيث لا توجد أسلحة) وعدد مرعب من الشقق السكنية والعائلات في داخلها -عائلات ليست لها أي علاقة بالسياسة. وإحداها هي عائلة شقيقتي. وأفرادها مذنبون بجريرة امتلاكهم شركة لصناعة البوظة. وقد استطاع كل أفراد العائلة، بمن فيهم نسيب يعاني من السرطان، الإفلات من القصف. واختبأوا جميعاً مع الأولاد في أكبر ثلاجة للبوظة في المصنع من منتصف الليل حتى الثامنة صباحاً. ويقول ابن أختي، رياض أبو العوف، إنه استطاع إحصاء 12 قذيفة خلال ذلك الوقت. وقال: "كنا كلنا خائفين ومصابين بالعطش". كانت تلك ذاكرة للرعب لن ينساها أبداً.
على عكس العام 2008، كانت كل وسائل الإعلام الدولية موجودة في غزة هذه المرة.
يعيش كل أفراد عائلتي في مدينة غزة، وقد ولد أجدادي في الشجاعية، أحد أقدم الأحياء التي دمرتها إسرائيل في هذه الجولة من الحرب. وأنا أشاهد تغطية حية للأحداث كل الوقت، كما شكل "الفيسبوك" أداة يصف عبرها الغزيون خوفهم وما يعيشونه ويمرون به.
ضبطتني ابنتي وأنا أبكي مؤخراً بينما أشاهد إسرائيل وهي تقصف حيي. سألتني: "ماما، لماذا تبكين؟" أجبت: "إسرائيل تضرب غزة". وتعرف صوفيا غزة، فلسطين، وإنما ليس إسرائيل. قالت: "ماما، سوف أتصل بالشرطة وسوف يتوقفون. لا تبكي يا ماما." وركضت إلى الهاتف وطلبت المساعدة من الشرطة. هذه هي الطريقة التي قُدمت بها إسرائيل لابنتي في أمستردام.
كانت الحرب أكثر وحشية هذه المرة لأن إسرائيل طبقت سياسة معاقبة المقاتلين الفلسطينيين عن طريق قتل زوجاتهم، وأبنائهم وآبائهم بلا استثناءات، وعن طريق قصف أحياء كاملة إذا حدث وأن كان المقاتلون في أيّ من الشوارع في الجوار.
لقد أرادت إسرائيل هذه الجولة من الحرب. كانت قد ضغطت كثيراً جداً على حماس التي تم إضعافها عن طريق تهديد البنوك بفرض عقوبات عليها في حال قامت بتحويل النقود إلى العاملين في جهاز الخدمة العامة لدى حماس. وأرادت إسرائيل أن تخرج محادثات المصالحة بين فتح وحماس عن سكتها. واعتقلت المئات من أعضاء حماس في الضفة الغربية بعد قتل ثلاثة من المستوطنين اليهود. وبعد كل هذه الاستفزازات، ردت حماس أخيراً يوم 30 حزيران (يونيو)، بالطريقة التي لا بد أن تكون إسرائيل قد توقعتها، بالصواريخ والتصريحات الغاضبة.
تواصل إسرائيل تبرير أعمالها الوحشية بالتحدث عن الأنفاق. ولكن، هل ستتمكن هذه السياسة من وقف الأنفاق؟ لقد نجحت اسرائيل في قتل قادة من الجناح العسكري لحماس، لكن إسرائيل ما تزال تطبق هذه السياسة منذ الانتفاضة الثانية. لم يتمكن قتل القادة من إنهاء الحركة. كان قادة جدد قد حلوا محل قتلى الانتفاضة الثانية، وسوف يحل قادة جدد محل الذين قتلوا تواً.
بعد أن عوقبوا بالحصار الوحشي، أصبحت حماس والفلسطينيون في غزة يتقاسمون مطلباً واحداً: وضع نهاية للحصار.
تهدف خطة الجيش الإسرائيلي إلى إضعاف حماس. وقد نصبت إسرائيل فخاً وهي مدعومة بالكامل من حلفائها –حيث تدفعها إعادة التسليح الأميركية السريعة إلى ارتكاب المزيد من المجازر. وعلى الرغم من الألم الذي تسببه هذه السياسة، وعلى الرغم من تدمير ذكريات الأطفال بمحو أجزاء مهمة من مدينة غزة، فإن الناس لن ينقلبوا ضد حماس. إن خطة إسرائيل بهذا الخصوص لا تعمل. لقد تقوّت حماس بهذه الحرب. وأكثر من أي وقت مضى، يجري تذكير الفلسطينيين بالأهوال التي أوقعتها إسرائيل بهم في الماضي، والتي تريد مواصلة إيقاعها بهم في الحاضر. ولعل النقاش الأكثر تعاسة وبعثاً للحزن في القدس وفي القاهرة منذ بدء محادثات وقف إطلاق النار هو الذي يدور حول كيفية تجنب إسناد الفضل لحماس في إنهاء الحصار.
عن طريق إضعاف محمود عباس المعتدل وعدم تقديم عرض بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين أو تجميد الاستيطان اليهودي الحصري، تبدو نية إسرائيل واضحة: الانفصال عن خيار الدولتين عن طريق عزل قطاع غزة عن الضفة الغربية. ولكن، هل تستطيع إسرائيل أن تتحمل كلفة قيام انتفاضة ثالثة، والتي ستفضي إلى انهيار السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ناهيك عن مؤسسة السلطة الأمنية في الضفة الغربية، والتي تتعاون مع إسرائيل؟
لقد قتلت إسرائيل بسياساتها الراهنة خيار حل الدولتين. ويحتاج الفلسطينيون الآن إلى حماية أبنائهم ومنازلهم.
ومع ذلك، وعندما ينتهي هذا، سيكون بوسع إسرائيل أن تقرر قتل الفلسطينيين أيضاً في أي وقت تريد. ولتجنب ذلك، تشكل محكمة الجرائم الدولية طريق الخروج لوقف المذابح والإصرار على نُعامل باحترام، حتى لو كان معظم الأميركيين لم يسمعوا بعد روايات الفلسطينيين عن العيش تحت القصف والاحتلال والحصار الإسرائيلي. إن محكمة الجرائم الدولية هي الخيار الوحيد المتبقي. وتشكل الإدانة الدولية القوية للجرائم التي ترتكبها إسرائيل الطريقة الوحيدة ليرى العالم أشباه آن فرانك من الفلسطينيين الصغار، بحيث يقدر العالم حقاً أرواح الفلسطينيين وإنسانيتهم.

*محررة موقع www.fanack.com، التي تتناول شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (بالعربية والإنجليزية). كانت قبل ذلك المراسل الصحفي الرئيسي لصحيفة "نيويورك تايمز" في غزة في الأعوام ما بين 2001 و2009).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel's Military Plan in Gaza, and the Strengthening of Hamas

التعليق