نادر رنتيسي

الحرب من على دراجة هوائية

تم نشره في الجمعة 5 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً

أيقظتُ أمّي التي تنامُ على قلقٍ كالطيور المهاجرة. أخبَرتُها أنَّ الحربَ تطرقُ البابَ. لم تصدِّقني، ظنَّت أنَّني أهذي بما شاهدته في نشرة أخبار المساء، وكانت لي عادة قديمة أنْ أردِّدَ آخر ما يردُ على سبيل الجدِّ في السهرة، وكانَ المذيعُ في تلفزيون جدَّتي الأبيض والأسود -ليل الأربعاء المُحايد- يقول إنَّ “عزَّت إبراهيم” غادر “جدَّة” بعد مصافحة اضطرارية لـ”سعد العبد الله”، وأنَّ الاجتماعَ انتهى لـ”التشاور”؛ كانت نهاية مفتوحة لم تصدِّق أمّي تمتمتي لها صباح الخميس الذي سيصير له لونٌ داكن، فعادت إلى نوم الطيور المطمئنة!
خرجتُ إلى الشوارع الترابيَّة، في السادسة صباحاً. جلستُ على درج دكانة مفتوحَةٍ لاستقبال العُمَّال، أستمعُ إلى نبأ الحرب بلا التباس على الإذاعة البريطانية الموثوقة: “القوات العراقية تسيطر على مدينة الكويت”. لم يكن إذن حلماً أو تأويلاً، رغم الالتباس الذي سيقسمُ العربَ أعراباً، فهو “غزوٌ” و”اجتياحٌ” على إذاعات ثلاثين دولة، أو “عودة الفرع إلى الأصل” على إذاعة “بغداد” وما حولها، و”أزمة” و”سحابة صيف” على المحطات التي أزاحت الحيادَ شرقاً. ولما يعجزُ “مختارُ الصِّحاح” و”المُنْجد” في الوصول إلى صيغة توافقية تُرضي عرباً، احتكمَ العربُ إلى معجم “Dictionary” وما كان يتقنُ “لغة الضاد” جيِّداً، ليعطي كلمة بديلة، فانتهى الأمرُ إلى حالة، من سبعة أشهر، عصيَّة على الإعراب!
لكنَّها كانت لطفلٍ كان أصغر قليلاً من رؤيا أحد عشر كوكباً، الحربُ التي انتظرْتُها لتمنعني من الذهاب إلى المدرسة، وتمنحني فرصة أولى لرؤية منبت لحية أبي الشيوعيِّ، وتخبرني أنَّ بإمكان أمِّي أن تصنَع الخبز في البيت، وأنَّ الحيادَ معطلٌ في الحرب كالوفاة الطبيعية، فالكهرباء يمكن أن تدخل النزاع وتصير العتمة ذخيرة لـ”العدو” أو متراساً لـ”الخصم”، والغيمُ ربَّما يتبرَّع لحجب الطائرة “المعادية”، والأرض تساند أصحابها بأنْ تبتلعَ “الهدف”. حربٌ جادة تماماً، لكنني لم أر جثة واحدة تدلُّ على الموت. سأشكِّكُ بها، كأنَّها كانت “مزحة” تورَّطتُ بتصديقها، أو إشاعة نقلتها عن جلسة جاراتنا، أو هي بالتأكيد كانت حقيقة تجنَّبتْ طريقَ ذلك الطفل!
وكانت أيضاً تسليةً: صوت مضاد الطائرات العراقيِّ العبثيِّ شبيه بإيقاع “الدبُّكْ” الذي يضرب السمع في أغنيات “الريِّس”، والنفط مادة سوداء قابلة للاشتعال وتحويل النهار إلى ليل لا يصلح “معاشا”، والحدود خطوط ملوَّنة بدلالات في الكتب، ورمل متشابه على جانبين من الأرض، وحاجزٌ سيسميه العراقيون “سيطرة” لما يفقدونها تدريجياً، و”صدام” و”جابر” لن يلتقيا فيما بعد، إلا في مجلة ملوَّنة قبل أغسطس، حمَلها صبيٌّ فقد نصف عقله في حادثة سقوط على رأسه، وجاء بها إلى أمّه قبل يومين من الضربة الجوية، ليُثبت لها أنَّ الحرب لن تقومَ، وأنَّ سوء الفهم انتهى بابتسامتين جامدتين!
الحربُ. صدَّقتها أمِّي أخيراً، وتعامل أبي معها بمنتهى الجدية، وركبتُ الدراجة الهوائية لأشاهدها عن قرب، كان ذلك طقساً ضرورياً عصر كلّ يوم، أخرج لأحصي الغارات، وأقلد أصوات الطائرات لأميِّزَ علمَها، وأدعو الجنودَ الحائرين بتركيب “المضاد” إلى بيتنا للقاء أبي، فيوبِّخني مذعوراً، فهو لم يكن محايداً، وكان يشكُّ أنَّه سيخرج من الحرب حياً، لكنَّنا سنخرجُ جميعاً أحياء، لأنَّ الموتَ اكتفى بمَنْ سلكوا طريق “المطلاع”، وظنّوا أن الحرب وضعت أوزارها وخدعها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »1991 (مقيم بالكويت سابقا)

    الجمعة 5 أيلول / سبتمبر 2014.
    حرب الخليج... اجمل الذكريات واصعبها ابدعت
  • »و للحكاية مواجعها (Fatema Morad)

    الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014.
    تمتلك حبكة سحرية وتمتعنا في كل ما تكتب ترجع فينا للماضي وتأخذنا للحاضر و تحلق بنا للمستقبل
    في أسلوبك السهل الممتنع وفي مواضيعك الشيقة التي تتناولها ، لك كل الاحترام
  • »و للحكاية مواجعها (Fatema Morad)

    الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014.
    تمتلك حبكة سحرية وتمتعنا في كل ما تكتب ترجع فينا للماضي وتأخذنا للحاضر و تحلق بنا للمستقبل
    في أسلوبك السهل الممتنع وفي مواضيعك الشيقة التي تتناولها ، لك كل الاحترام