تمرد على شتازي

تم نشره في الاثنين 15 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً

معاريف

بقلم: جدعون ليفي
ان 43 من خريجي الوحدة 8200، أعلنوا أنهم لن يوافقوا بعد الآن على خدمة الاحتلال، خدموا المجتمع في اسرائيل خدمة مضاعفة. وهم مثل رافضين عن بواعث ضميرية آخرين من الجنود والطيارين، هم شجعان وأخلاقيون، لكن لرفض خريجي الوحدة 8200 جانبا آخر ايضا لم يُر له مثيل في اسرائيل الى الآن. فقد كشفوا عن ندب آخر في وجه الاحتلال الإسرائيلي القبيح أعمق مما سبقه، وهو يتناول الجوانب الاكثر ظلمة وسفالة لحياته المعتادة الخبيثة. ولو كنا في مجتمع سليم لأفضت خطوتهم وما كشفوا عنه الى زعزعة حقيقية. لكن في إسرائيل جُندت كل نظم الدفاع والهجوم والدعاية والاستهزاء والانكار كي تدفن سريعا رسالة الجواسيس – الرافضين المهمة هذه.
هم ايضا من افضل الشباب بل قد يكونون افضل الابناء مثل الطيارين تقريبا. واسهامهم في محاربة الارهاب لا مثيل له في أهميته. وللوحدة 8200 التي هي أكبر وحدة في الجيش الاسرائيلي حق ثان بعد سلاح الجو في أن تختار جنودها. والصورة عنهم لامعة ومستقبلهم مضمون فهم ينتظرونهم في الهاي تيك. وخدمتهم العسكرية لا أخطار فيها وهم مثل الطيارين ايضا لا يرون ضحاياهم من قريب، ولم تكد خدمتهم تثير حيرة اخلاقية حتى الآن، فهم لا يقتلون ولا يضربون ولا يعتقلون بل هم اصحاب وظائف جليلة الشأن يريدها كل والد تقريبا. وأسلحتهم عقولهم وحواسيبهم وسائر الوسائل المُحكمة، وميدان قتالهم مكتبهم المزود بالاجهزة. ويجب أن نؤكد أن جزءا كبيرا من عملهم حيوي وشرعي ومع ذلك كله فان الوحدة 8200 هي الـ شتازي الاسرائيلي.
  بخلاف جهاز الاستخبارات الالماني الشرقي لا يوجه متابع نهجه الاسرائيلي عمله على مواطني الدولة بل على الخاضعين لاحتلالها. فلهم يجوز أن يفعلوا كل شيء بوسائل يحسدهم الشتازي عليها. وليس الحديث فقط عن جمع معلومات واستخبارات بل عن اجهزة تحكم وابتزاز واستغلال لشعب كامل تقوم على انشاء جيش ضخم من العملاء والمُخبرين والمُبلغين الذين يُجندون باستغلال قاس لمواطن ضعفهم وحاجاتهم وامراضهم وميولهم الجنسية. وبفضل الوحدة 8200 يحيا شعب كامل دون حماية لكرامة الفرد. وإن الاسهام الاكبر للرافضين الجدد أنهم حدثونا عن ذلك. ففي دورة تعليم للغة العربية درسوهم كل تصاريف كلمة "لوطي" باللغة العربية، فقد احتاجوا الى ذلك. وكان يجب عليهم أن يتتبعوا الميول الجنسية والمشكلات الصحية والاقتصادية لعشرات الآلاف من السكان الأبرياء.
 قد يوجد لهم إبن أخ مطلوب أو إبن عم مُتعقب وبذلك يستطيعون ابتزازهم؛ وربما يوافقون على أن يتحدثوا عن الجار القريب عوض وجبة علاج كيميائي؛ أو ربما عملية جراحية عوض بلاغ؛ أو وشاية عوض مساعدة في الدخل أو معلومة صغيرة عوض ليلة في تل ابيب. ويقوم بعمل جمع المعلومات الحقير هذا – ولا سبيل اخرى لوصفه – يقوم به جنود جيش الدفاع الاسرائيلي، ولتعلم ذلك كل أم عبرية. فهم يجمعون معلومات أمنية مهمة ومعها معلومات حميمة سرية وسياسية ويُعلمون أهدافا لتصفيتها. وحاول عدد منهم أن يتحدثوا عن ذلك في نهاية الاسبوع لكنهم انفجروا ضحكا في منتديات التلفاز. وتنافس المحللون في قولهم: "هاذٍ"، و"فاضح"، و"توقيت فظيع"، و"لا أهمية له"، و"جماعة مدللة" وأفظع من كل ذلك قولهم "ساسة" و"يساريون". ولم يخرج أحد للدفاع عمن كانوا الى أول أمس مصدر فخر حتى ولا نشطاء جماعة المثليين الذين يهبون بعد كل تصريح غير سوّي وهم يصمتون "الى الآن" عن مطاردة دولتهم التي تفخر بمعاملتها المستنيرة للمثليين، مطاردتها لرفاقهم الفلسطينيين.
 هكذا هي اسرائيل، فما بقي هؤلاء الشباب من الوحدة 8200 يشتغلون بالعفن والفاسد، وينبشون في عصارة قمامة الاحتلال، فانهم كانوا يُعدون ذوي قيم ويحترمونهم، وفي اللحظة التي استقر رأيهم فيها على أنهم ضاقوا بذلك ذرعا اصبحوا موضوعا للسخرية والنبذ. لكن خطوتهم علامة طريق. وربما يُحدثنا على إثرهم عدد من خريجي "الشباك" الذي هو الضلع الاخرى للـ شتازي الاسرائيلي في المناطق عما فعلوه في اماكن عملهم. وقد فعل قادتهم ذلك بصورة جزئية في برنامج "حماة الحمى".
إن الجهاز العسكري والاعلامي سيدوس سريعا الرافضين الـ 43 لكن ربما لا يُنسون هم خاصة، فقد كسروا الصمت من داخل الظلمات الأكثر ظلمة.

التعليق