الأزمة ليست في ردود الفعل!

تم نشره في الثلاثاء 16 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً

 لا‭ ‬مشكلة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬والهجمات‭ ‬الممنهجة‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والفضاء‭ ‬الإلكتروني؛‭ ‬أما‭ ‬التقاعد‭ ‬بملايينه‭ ‬التي‭ ‬ستأتي‭ ‬بتمويل‭ ‬سهل‭ ‬ومريح‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬صديقة،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬عبئا،‭ ‬ولن‭ ‬يستنزف‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يثقل‭ ‬على‭ ‬الفقراء‭ ‬وجيوبهم‭ ‬المليئة‭ ‬بالأوجاع‭ ‬والحسرة‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقلق‭ ‬السادة‭ ‬النواب‭ ‬والأعيان‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬فهما‭ ‬خاطئا‭ ‬تسلل‭ ‬إلى‭ ‬الإعلام‭ ‬حول‭ ‬الأمر،‭ ‬ما‭ ‬يقتضي‭ ‬عقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬صحفي‭ ‬ينهي‭ ‬الالتباس‭ ‬القائم‭!‬

المخاطر‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بسبب‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬والهدر‭ ‬في‭ ‬النفقات‭ ‬الجارية‭ ‬ورفع‭ ‬فاتورة‭ ‬التقاعد‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬متفاقم‭ ‬في‭ ‬موازنتها،‭ ‬يعني‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الخسارات‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيدفع‭ ‬إلى‭ ‬مواصلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬جهات‭ ‬تمويل‭ ‬خارجية،‭ ‬بالكاد‭ ‬تجدها‭ ‬الدول‭ ‬للاستدانة‭ ‬وسط‭ ‬أزمات‭ ‬السيولة‭ ‬والتمويل‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬العالم‭. ‬وفي‭ ‬الأثناء،‭ ‬يتناسى‭ ‬مجلس‭ ‬الأمة‭ ‬أن‭ ‬تمويل‭ ‬هذا‭ ‬الرفاه‭ ‬الجديد‭ ‬لأعضائه‭ ‬سيكون‭ ‬إما‭ ‬من‭ ‬جيوب‭ ‬المواطنين،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬مديونية‭ ‬خارجية‭ ‬لها‭ ‬شروطها‭ ‬الثقيلة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ومستقبل‭ ‬البلاد‭ ‬واستقراره‭ ‬المالي‭.‬

لا‭ ‬بأس‭ ‬في‭ ‬تسلل‭ ‬الإحباط‭ ‬إلى‭ ‬نفوس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬115‭ ‬ألف‭ ‬معلم‭ ‬حكومي،‭ ‬عضّوا‭ ‬على‭ ‬جراحهم‭ ‬ومضوا‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬لهذا‭ ‬الموسم‭ ‬الدراسي،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬حاجات،‭ ‬واقتنعوا‭ ‬أن‭ ‬خزينة‭ ‬بلادهم‭ ‬فارغة‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬مخصصات‭ ‬الرفاه‭ ‬للنواب‭ ‬والأعيان‭ ‬والوزراء‭. ‬ولا‭ ‬بأس‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمة‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ ‬الشعب،‭ ‬قضايا‭ ‬في‭ ‬المحاكم‭ ‬ضد‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ "‬المضللة‭"‬،‭ ‬والنصوص‭ ‬التي‭ ‬يكتبها‭ ‬الشباب‭ ‬الأردني‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فالبرلمان‭ ‬محاط‭ ‬بالقداسة،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يمسه‭ ‬أي‭ ‬كان‭.‬

إنه‭ ‬أمر‭ ‬يدعو‭ ‬للحزن‭ ‬بالفعل؛‭ ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬تم‭ ‬تنظيم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬850‭ ‬اعتصاما‭ ‬ووقفة‭ ‬احتجاجية‭ ‬لمطالب‭ ‬عمالية‭ ‬محقة‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬منها،‭ ‬وجوبه‭ ‬معظمها‭ ‬بالرفض‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬يفخر‭ ‬رئيسها‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يرضخ‭ ‬للمطالب‭ ‬العمالية‭ ‬عبر‭ ‬الاحتجاجات،‭ ‬لكنه‭ ‬يطوي‭ ‬الأمر‭ ‬سريعا‭ ‬عندما‭ ‬يستنزف‭ ‬مجلس‭ ‬التشريع‭ ‬والرقابة‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬موازنة‭ ‬الدولة‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬دور‭ ‬الحكومة،‭ ‬لنتساءل‭ ‬عن‭ ‬مآلات‭ ‬شكل‭ ‬ومضمون‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السلطتين‭ ‬التشريعية‭ ‬والتنفيذية،‭ ‬وما‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬تتمخض‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬المشوه‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المال‭ ‬العام؟‭ ‬وما‭ ‬حديث‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬عن‭ ‬ضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬وعدم‭ ‬المساس‭ ‬بالمال‭ ‬العام،‭ ‬إلا‭ ‬ذر‭ ‬للرماد‭ ‬في‭ ‬العيون؛‭ ‬فالواقع‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬نكون‭ ‬عن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ "‬ترضيات‭" ‬وتسويات‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الطاولة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الفقراء‭.‬

ما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬مجلس‭ ‬الأمة‭ ‬هو،‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬الدستوري‭ ‬د‭. ‬أمين‭ ‬العضايلة،‭ ‬ضربة‭ ‬أفقية‭ ‬أتت‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬وتبعا‭ ‬لهذه‭ ‬الضربة‭ ‬القاسية‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬فإن‭ ‬أسئلة‭ ‬النزاهة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬ومثلها‭ ‬أسئلة‭ ‬الحاكمية‭ ‬ودور‭ ‬السلطات‭ ‬والفصل‭ ‬بينها،‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬لنا‭ ‬البحث‭ ‬جيدا‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الوطن‭ ‬وشكله‭ ‬المستقبلي؛‭ ‬فهل‭ ‬هو‭ ‬وطن‭ ‬يفتح‭ ‬ذراعيه‭ ‬ويدعم‭ ‬نخبة‭ ‬بعينها‭ -‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬رأينا‭ ‬فيها؛‭ ‬كيف‭ ‬وصلت‭ ‬وماهية‭ ‬المطلوب‭ ‬منها‭- ‬فيما‭ ‬يغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬القوى‭ ‬العمالية‭ ‬والنقابية‭ ‬وأبناء‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬والفقراء؟

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬ردود‭ ‬الفعل،‭ ‬إنها‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬الفعل‭ ‬وتبريراته‭!‬ 

 

@hassan.shobaki

التعليق