هل يمكن أن تفقد أميركا مكانتها كقوة عظمى؟

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 11:00 مـساءً

انيال غور *
(معهد ليكسينغتون) 24/9/2014

د ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
في المؤتمر السنوي لرابطة سلاح الجو الذي انعقد مؤخراً في الولايات المتحدة، حظيت مع مجموعة من المحللين في شؤون الدفاع بفرصة إجراء سلسلة من المحادثات مع قادة كبار في سلاح الجو، العديد منهم مسؤولون عن تنفيذ طائفة واسعة من العمليات اليومية في أجزاء مختلفة من العالم، والتي تكون معقدة وأحيانا خطيرة. وهم يرون اقتراب تطور التهديدات والارتقاء السريع للمنافسين العسكريين.
روى كل واحد من هؤلاء القادة العسكريين نفس القصة عن أنه يطلب منه عمل الأكثر بالأقل. هذا قبل أن يخفض العزل حوالي 100 مليار دولار من موازنة الدفاع للسنة المالية 2016. وإذا تم ذلك فسيكون الأثر على الأمن القومي الأميركي ليس بأقل من كارثي. لقد قالها ضابط سلاح الجو على الوجه الأفضل: إذا دخل العزل حيز التنفيذ فستتوقف الولايات المتحدة عن أن تكون قوة عظمى عالمية، وستصبح "قوة إقليمية مع بعض الوصول العالمي."
واليوم، تواجه الولايات المتحدة تحديات أمنية متصاعدة في ما لا يقل عن أربع قارات؟ أوروبا تواجه طيف روسيا الراغبة في استخدام القوة لإعادة رسم الحدود القومية، وهو شيء لم يحدث هناك لأكثر من 60 عاماً. وقد هددت موسكو الغرب باحتمال الهجوم النووي وبادعاءات بالحق الخاص بحماية أولئك الذين تعتبرهم روساً حتى لو كانوا من مواطني أراضٍ أجنبية.
وفي آسيا، تجري كوريا الشمالية تجربة على عائلة جديدة من الصواريخ الباليستية، فيما هي تستمر في بناء أسلحة نووية.
ومن جهتها، أكدت الصين بشكل غير قانوني على حقها في السيطرة على مساحات شاسعة من المجالين الجوي والبحري الدولييين بينها وبين البلدان المجاورة لها. وقد "تحرشت" طائراتها النفاثة المقاتلة مرات عديدة ومتكررة بطائرات الاستطلاع الأميركية العاملة في المجال الجوي الدولي. وهي، إلى ذلك، تبني قوات حديثة ستكون في غضون أعوام قليلة شديدة القوة والفتك بحيث تتمكن من ردع أي تدخل عسكري أميركي في حال شنت الصين عدواناً ضد واحد من حلفائنا في المنطقة.
وثمة تفجر التهديد الإرهابي/ التمردي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، والذي أصبح الآن متمدداً على طول الطريق من ليبيا ومالي وشمالي نيجيريا، إلى لسودان والصومال واليمن وسيناء وغزة وسورية والعراق. وهذه المنطقة أكبر من حيث المساحة من الولايات المتحدة القارية، وفيها عدد سكان مشابه. والأحدث أن فيروس الإيبولا أصبح يهدد بأن يتحول إلى وباء في غرب إفريقيا، وهو ما دفع إدارة أوباما إلى نشر المزيد من القوات العسكرية في ذلك الجزء من العالم أكثر من العدد الذي اقترح إرساله إلى العراق لأداء مهمة تدريب ومساعدة القوات المعادية لمجموعة "داعش".
وفي الأثناء، يجري تمديد القوات العسكرية الأميركية إلى حد يقترب من نقطة الكسر. ولأن معظم القوات الأميركية متمركزة راهناً في الولايات المتحدة، فإن الانتشار وراء البحار من أجل التعامل مع حالات طارئة متواصلة وأزمات، سوف يتطلب المزيد من القوى العاملة والمعدات والوحدات مما لو كانت الولايات المتحدة ما تزال تنشر قوات فعلياً. فلكل وحدة وراء البحار وبغض النظر عن المهمة، هناك واحدة تكون قد عادت لتوها وأخرى تعد العدة  للرحيل، لكنها ليست في حالة جهوزية للانتشار. وأما القدرات الحاسمة، مثل طائرة الإنذار المبكر والرقابة يو2، فقد أخرجت من الخدمة فيما يعتبر أمراً ينطوي على الكثير من المفارقة، في ظل أن البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) تخطط لإحالة الأسطول برمته على التقاعد في العام 2016، حتى بالرغم من أنه لا يوجد أي بديل متوفر، لا من حيث الكمية ولا من حيث النوعية. وأما سلاح البحرية، فقد أجبر على نشر وحدة رد خاص بناقلات في 22 وأخرى جوية للتمركز في أسبانيا، لأنه لا يتوافر على سفن حربية برمائية كافية للقيام بدوريات بحرية مستمرة في البحر الأبيض المتوسط كما كان يفعل في السابق.
في الأثناء، نشهد ظروفاً تجبر القوات الأميركية على إظهار القدرة -بمعنى الأشخاص والمعدات- وهو الشيء المطلوب إذا أريد لهذه الأمة أن تكون قادرة على الاستجابة لأكثر من تهديد رئيسي في أكثر من منطقة وفي وقت واحد. وبالإضافة إلى ذلك، وبينما يتم نقل المزيد من القدرة والمسؤولية إلى قوات الحرس الوطني والاحتياط، وخاصة في القوة الجوية والجيش، فإن القدرات المؤسساتية لتلك الخدمات وقدرتها على التدريب والتجهيز آخذة في التدهور. فسلاح الجو، مثلاً، لا يستطيع تدريب ما يكفي من الطيارين لملء شواغر اليوم. وهذا يعني أنه في المستقبل القريب لن يكون ثمة ما يكفي من الطيارين المتدربين ليخرجوا سلاح الجو النظامي لملء احتياجات الحرس الوطني الجوي.
 كما أن القوات الأميركية تشهد راهناً خطراً جاداً من فقدان تفوقها التكنولوجي. وبينما يبني خصوم محتملون مثل روسيا وكوريا الشمالية والصين سلسلة من الأنظمة النووية والأنظمة الاستراتيجية الجديدة، فإن هذا البلد لا يفعل ذلك. ويعني انتشار أنظمة الدفاع الجوي المتطورة أنه في أي صراع في المستقبل لن تكون السماء آمنة بالنسبة للجيل الحالي من المقاتلات والقاذفات الأميركية. ودعونا لا ننسى أن نفس النظام الصاروخي أرض-جو الذي أسقط طائرة الركاب الماليزية "ام اتش" 17 فوق أوكرانيا، كان قد أسقط أيضاً عدداً من الطائرات العسكرية لذلك البلد، بما فيها طائرتان su-25 المقابلة لطائراتنا A-10. ولا تعد الدفاعات الصاروخية لدى الولايات المتحدة وحلفائها كافية لهزيمة الأعداد المتجمعة من الصواريخ الباليستية المعادية التي يمكن أن تطلق باتجاهنا.
من الممكن القول بأن من غير المرجح أن تواجه الولايات المتحدة صراعات متزامنة في أربع مناطق من العالم. لكنه من الظاهر أصلاً أن مصالح وأصدقاء هذا البلد يواجهون تهديداً من جانب منافسين مسلحين جيداً، إن لم يكن من جانب خصوم واضحين، في ثلاثة صراعات على الأقل.
هل تستطيع الولايات المتحدة النهوض بعبء أن تصبح مجرد قوة إقليمية مرة أخرى؟ أي منطقة هي التي ستختار التخلي عنها عندما تتضاعف الأزمات؟

* هو نائب رئيس معهد لكسينغتون.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Could America Lose Its Superpower Status?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق