مرصد "أكيد".. مطلوب أكثر من ذلك

تم نشره في الخميس 9 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:07 صباحاً

تستوقف المتابع منذ أسابيع تقارير "مرصد مصداقية الإعلام الأردني" (أكيد)، الذي أطلقه أخيرا معهد الإعلام الأردني، وكان آخرها ما نشرته "الغد" أمس، من تقرير رصدي موسع لما عرف بقضية "ذهب عجلون"، وتغطية الصحافة والمواقع الالكترونية للقضية.
لا شك في أن مثل هذا "المرصد" وتقاريره، يسد حاجة ملحة للرقابة والتقييم، يحتاجها الرأي العام والصحافة والصحفيون أيضا. فيما يشكل إنشاء "المرصد" من قبل معهد الإعلام، كجهة مستقلة (إلى حد ما باعتباره مؤسسة مستقلة شبه حكومية)، نقطة قوة وإيجابية لعمله، كما يفترض، تدعم موضوعيته ومهنيته في التقييم والرصد لما ينشر ويبث في وسائل الإعلام.
ومن المعروف أن للإعلام والصحافة سطوة وقوة كبيرتين، في كل مجتمع ودولة، قد تستغلان هنا أو هناك، بصورة سلبية ومتسلطة من قبل الصحفي ووسيلة الإعلام، تجاه الأفراد أو المؤسسات أو المجتمع بشكل عام. وهو ما تتم معالجته وضبطه عادة، خاصة في الصحافة الحرة والمهنية، باعتماد الأسس المهنية والموضوعية في النشر، والاستناد إلى ضوابط القوانين ومواثيق الشرف الصحفية والنقابية، وحتى بالاعتماد على دليل وميثاق صحفي داخلي للمؤسسة.
إلا أن كل ما سبق، ووجود آليات للرقابة والمحاسبة القضائية والقانونية، والنقابية أحيانا، بشأن ما ينشر ويغطى صحفيا، لا يمنع في العديد من الحالات من تغول صحفيين ووسائل إعلام، في هذه القضية أو تلك، خاصة عند استغلال المساحات الرمادية في القوانين والمواثيق، أو تلك المساحة من الحرية التي يمنحها الدستور والمجتمع للصحافة، باعتبارها عينا للمجتمع والمواطن. ويظهر مثل هذ التغول والخروج عن المهنية والموضوعية في الغالب في بلادنا عندما يكون مجال التغطية الصحفية قضايا سياسية وأمنية، أو تكون المعارضة هي الطرف الآخر للقضية!
لكل ذلك، تبدو الحاجة ماسة وضرورية لمرصد إعلامي مستقل عن وسائل الإعلام، يستند في رقابته للصحافة على أسس المهنية والموضوعية والشمولية، وعلى خبراء أو حتى صحفيين محترفين. والأهم، أن يستند على مساحة واسعة من الحرية لا تحدها ضوابط أو حسابات سياسية أو امنية، وأن لا يسقط في فخ الانحيازات، أو المجاملات والتعميمات الفضفاضة، ليشكل بحق ما يمكن تسميته "ضميرا" للصحافة، وعينا رقابية للمجتمع والصالح العام على السلطة الرابعة، بما يسهم أيضا في تطوير العمل الصحفي.
السؤال الآن، هل تمكن "أكيد" من تشكيل مثل هذه الحالة؟ وهل بات "ضميرا" وأداة رقابة فاعلة، والأهم كفؤة، على الإعلام الأردني؟
من رصدي الشخصي لتجربة "أكيد"، القصيرة عمرا، أرى أن هناك محاولات جادة، لكنها متواضعة حتى الآن، لملامسة فلسفة مثل هذه الأدوات الرقابية على الإعلام. ومن مطالعة العديد من تقارير "المرصد"، كما في قضيتي إضراب المعلمين و"ذهب عجلون" مثلا، تجد نزوعا لافتا في تقاريره إلى لغة التعميم الفضفاض، بتوجيه الانتقادات وتسجيل الاختلالات في تغطيات الصحف اليومية. ووفق تقرير "المرصد" حول إضراب المعلمين، انقسمت الصحف بين مؤيد للإضراب ومعارض له، لكنني شخصيا لم أعرف أين كنا نحن في "الغد" مثلا؛ مع الإضراب أم ضده؟! وكيف حُسبنا هنا أو هناك؟ ووفق أي أسس؟
وفي قضية "ذهب عجلون"، جاء التعميم في تقرير "المرصد" تجاه المواقع الالكترونية، ووضعت على مسطرة واحدة، من دون تسمية أو توصيف لكل موقع، أو على الأقل لعينة وازنة منها، كان يمكن أن تأخذ أبرز المواقع الإلكترونية انتشارا.
قد يكون مفهوما أن تجد الصحف لنفسها مبررات لعدم تعرضها لصحف زميلة بالنقد المباشر، رغم أن ذلك يضر بحق القارئ والمجتمع. لكن ذلك قد لا يكون مقبولا من مرصد يطرح نفسه اليوم، بل ونريده كذلك، عينا رقابية على مهنية ومصداقية الإعلام.
ثمة ملاحظات ونقاط عديدة في تقييم أداء "أكيد" وتجربته، تحتاج لأكثر من مقال، وأخطط للعودة إليها في مقالات لاحقة.

التعليق