حكم المسلحين: لماذا تنهار دول ما بعد الاستعمار العربية؟

تم نشره في الأربعاء 15 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 11:00 مـساءً
  • المسلحون يحكمون المشهد في الشرق الأوسط، رسم تعبيري - (إيكونوميست)

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 11/10/2014

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

استيقظ سكان درنة؛ المدينة الميناء الناعسة في شرق ليبيا، على أخبار مهمة يوم الخامس من تشرين الأول (أكتوبر): في اجتماع حاشد أقيم في الميدان الرئيسي، أعلنت ميليشيا "مجلس شورى الشباب الإسلامي" المحلية القوية ولاءها للدولة الإسلامية؛ المجموعة الجهادية التي تسيطر على مساحات واسعة من سورية والعراق البعيدين، ولخليفتها الذي نصّب نفسه بنفسه، أبو بكر البغدادي. ثم تجول موكب لرجال مقنّعين في مركبات مدججة بالسلاح في الشوارع للاحتفال بوضع درنة الجديد  باعتبارها "إمارة" ضمن خلافة البغدادي الإسلامية الجامعة.
بعد ثلاث سنوات من الإطاحة بمعمر القذافي، ما تزال ليبيا تراوح في خضم التفكك واسع النطاق. ومع ذلك، لم يعد انهيار الدولة الليبية يبدو حالة ناشزة. فعبر كامل أنحاء الشرق الأوسط، أصبح اللاعبون من غير الدول هم الذين يضعون الأجندة؛ يتحدون الحكومات ويطيحون بها، أو يدفعون بها إلى إعادة التخندق خلف ضوابط ومحددات تصبح أكثر قمعية باطراد.
في اليمن، استولت المجموعة المتمردة المعروفة باسم الحوثيين على العاصمة صنعاء في الشهر الماضي، وهي تملي السياسات هناك على الحكومة الرديفة التي تناضل أيضاً في مواجهة تنظيم القاعدة؛ ويُلقى بالمسؤولية على الجهاديين في تنفيذ موجة التفجيرات والإعدامات التي قتلت العشرات هذا الأسبوع. وعلى مدى السنوات الثلاث من الحرب الأهلية السورية، تغيرت بنية قوات "الحكومة" التي تقاتل ضد جماعات ثورية لا تعد ولا تحصى، لتتحول باطراد من جيش رسمي إلى مزيج من وحدات الدفاع الموالية، وعصابات "الشبيحة" الشبيهة بالمافيا، ورجال الميليشيات الشيعة الذين تم استيرادهم من العراق ولبنان. كما أن جيش لبنان نفسه، الذي طالما تفوقت عليه ميليشيا حزب الله الشيعية بالسلاح، كثيراً ما تصرف هو الآخر بطريقة أقرب إلى الميليشيا من القوة العسكرية الرسمية: في الآونة الأخيرة، قامت إحدى الواحدات بإحراق مخيم للاجئين السوريين وضربت سكانه في أعقاب هجمات شنها على الجنود ثوار سوريون.
من جهة أخرى، صادرت المعركة الدائرة منذ ثلاثة أسابيع تقريباً من أجل السيطرة على كوباني، الجيب الكردي المجاور لحدود سورية مع تركيا، عناوين الأخبار الرئيسة، باعتبارها اختباراً للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمقاتلة "الدولة الإسلامية". ومع ذلك، تدور الحرب على الأرض هناك بين ميليشيات وليس بين جيوش. وعلى نحو مشابه، لم يكن الهجوم المعاكس الذي شُن في العراق ضد التقدم الصادم الذي أحرزته قوات الدولة الإسلامية في اتجاه العاصمة بغداد، يجري بقيادة الجيش العراقي، وإنما بقيادة رجال القبائل المحليين، وميليشيات الأحزاب الشيعية والبشمرغة الكردية. وحتى هؤلاء المقاتلون الأكراد، ورغم مظهر الخضوع لقيادة موحدة من حكومة كردستان الإقليمية المستقلة، يتكونون من قوتين رئيسيتين منفصلتين تسيطر عليهما أحزاب متنافسة تهيمن على أجزاء مختلفة من كردستان العراقية.
لنعد إلى ليبيا. ليست هناك حكومة واحدة في ذلك البلد، وإنما حكومتان متنافستان: واحدة في العاصمة طرابلس، والأخرى في مدينة طبرق الشرقية. وتزعم كل من الحكومتين لنفسها الشرعية الانتخابية، ويدعم كل منهما تحالف متناحر من الميليشيات. وفي درنة، شعرت قلة قليلة جداً من السكان البالغ عددهم نحو 80.000 نسمة بكثير بهجة لدى معرفة أنهم أصبحوا الآن جزءاً من "إمارة" جماعة مجلس الشورى. وهناك ميليشيا قوية أخرى في المدينة، "كتيبة الشهيد أبو سليم" التي تشكل فرعاً محلياً لتنظيم القاعدة، والتي ترفض بغضب فكرة الانفصال عن ليبيا. وكانت الخصومة بين العصابات الجهادية قد أفضت مسبقاً إلى عمليات قتل متبادلة. ومكمن الخشية الآن هو احتمال أن تتصاعد تلك العمليات الانتقامية لتتحول إلى حرب مفتوحة.
في هذه الأثناء، وفي جهد ظاهر لتأكيد سيطرة الدولة، قامت طائرات مقاتلة بقصف قواعد "مجلس الشورى" في ضواحي المدينة. ويفترض أن تكون هذه الطائرات موالية لـ"حكومة" طبرق، لكنه ليس هناك مَن يستطيع الجزم حول هوية الطرف الذي أمر بشن الغارات أو المكان الذي انطلقت منه. ويعترف بيرناردو ليون، مسؤول الأمم المتحدة المنهَك المكلف بتمريض ليبيا، بأن "وضع نهاية لهذه الأزمة صعب، لأن أبطالها مئات الميليشيات التي لا توجد بينها أي علاقة تراتبية".
في تفسير الصعود المفاجئ للقوى من غير الدول في المنطقة، أحال الكثيرون الخطأ إلى الصبغة الاصطناعية المفترضة للدول العربية، التي تشكلت حدودها في الكثير من الأحيان على يد مسؤولي الاستعمار الغربي. وتتباهى "الدولة الإسلامية" الآن بمحوها نواتج ما يسمى اتفاقية سايكس بيكو التي أبرمت بين بريطانيا وفرنسا وصنعت الكثير من تكوين الشرق الأوسط الحديث.
مع ذلك، لم يقتصر التفكك على مناطق الأطراف: كان الشكل الداخلي للدول أكثر من الشكل الخارجي لمناطقها هو الذي تسبب بإطلاق رد الفعل الارتدادي العنيف. وفي الكثير جداً من الحالات، فشلت حكومات المنطقة فاقدة الإحساس بالأمن والمهووسة بالسلطة -والتي تهيمن عليها الأقليات في بعض الأحيان- في دمج المواطنين في إطار شعور جمعي شامل بالأمة. وما تزال الإيديولوجيات السياسية -القومية العربية، والإسلام السياسي، وربما الجهادية العنيفة في هذه الآونة- تتجاوز الحدود الوطنية.
بدلاً من ذلك، طوّع الحكام العرب جهاز سلطة الدولة من أجل إعاقة أي تحد محتمل، وقاموا بمركزة القرارات كافة وعمدوا إلى إثارة واستغلال الانقسامات حيثما كان ذلك ممكناً. وعلى سبيل المثال، أنكرت سورية حق المواطنة الرسمية على عشرات الآلاف من أكرادها طوال عقول، وحاولت، مثلما فعل العراق في حقبة صدام حسين، فرض التعريب قسراً على المناطق الكردية.
وأيضاً، فشلت الحكومات العربية في تقديم الخدمات العامة أو المؤسسات، مثل المحاكم اللائقة، والمدارس والمستشفيات، وعلى نحو دفع المواطنين إلى أخذ زمام الأمور بأيديهم. وبين الفقراء والمحرومين بشكل خاص، كانت الجماعات الدينية والجمعيات الخيرية -العديد منها تتلقى التمويل من دول الخليج- هي التي التقطت هذا التراخي واستغلته. وقد شددت المناهج الوطنية على المظالم التاريخية وطبعت في الأذهان فكرة إطاعة الدولة.
حيث انهارت مثل هذه الدول فائقة المركزية، وإنما التي حكمها حزب واحد غير فعال (أو عائلة واحدة) فاقدة للأهلية، كانت ثمة القليل من البنى والهياكل التي يمكن أن تتيح إعادة بناء التلاحم الاجتماعي. وسرعان ما تطور ما كان ذات مرة مجرد شقوق صغيرة بين الطوائف والقبائل أو الأعراق، وتحول سريعاً إلى صدوع أكثر اتساعاً، والتي كثيراً ما يستغلها اللاعبون الخارجيون الشغوفون بممارسة النفوذ. وقد عملت حتى التدخلات التي بدت حميدة على جعل الانقسامات أسوأ: في سورية، صنع التنافس على أموال المساعدات أعداء من المجموعات التي تكرس نفسها -ظاهرياً- لإنجاز هدف الإطاحة بنفسه الرئيس بشار الأسد.
من المحبط أن تلك الدول العربية التي نجت من الربيع العربي تعلمت الدرس الخطأ على ما يبدو. فبدلاً من تعزيز الإصلاح السياسي، ذهبت العديد منها إلى خيار تقوية أجهزتها القمعية. ويقول ناشط مصري في هذا السياق: "لقد عادت دولة البوليس بقوتها الكاملة. إنهم يرممون كل صدع حدث في جدار الخوف الذي أنشأوه".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The rule of the gunman: Why Post-colonial Arab States are Breaking Down

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق