تقرير اقتصادي

إذا مات نحل العالم لن يبقى البشر على قيد الحياة!

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:00 صباحاً
  • خلية نحل لإنتاج العسل -(ارشيفية)

ترجمة: ينال أبو زينة

بالنسبة إلى البعض؛ يشكل النحل ببساطةٍ مصدر إزعاجٍ لا أكثر ويعلو طنينه هنا وهناك ويزحف إلى داخل عُلب الصودا ويطارد الناس في الشوارع حتى أنه يلسعهم أحياناً.
وفي حال كنت سيئ الحظ كفاية إلى درجة معاناة الحساسية، يمكن للنحل أن يشكل لك "حرفياً" تهديداً قاتلاً.
مع ذلك؛ فالحقيقة البسيطة هي: أنه في حال لم يتواجد النحل على الأرض، لن يتواجد البشر هم أيضاً.
وفي هذا السياق، فإنه لمن المقلق جداً موت نحل العسل بمعدلات تنذر بالخطر خلال العقد الماضي أو ما إلى ذلك.
في الوقت الراهن، انخفضت أعداد نحل العسل في الولايات المتحدة إلى أقل من نصف ما كان عليه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وفي الشتاء الماضي، خسرت الولايات المتحدة 23.3 % من مستوطنات النحل التي تُديرها، بينما كانت الأرقام أسوأ قبل عام من ذلك لكن النحل لا يزال يموت بمعدلات مقلقة الأمر الذي يعني أن شيئاً ما يحتاج إلى التغيير.
وصرحت حكومة الولايات المتحدة الأميركية أن النحل يموت في الوقت الراهن بمعدل اقتصادي غير مستدام.
في الحقيقة يساهم العسل؛ في الولايات المتحدة وحدها بما مقداره 15 مليار دولار من القيمة المحصولية فلولا النحل بطبيعة الحال ستنهار الزراعة كما نعلم.
النحل، لا تستطيع العيش معه أو من دونه
حتى إن كنت تكره النحل، فأنت بحاجة ماسة إليه وذلك لكونه المسؤول عن توفير الكثير من المواد الغذائية في طبقك اليومي حيث يؤدي النحل مهمة ضرورية لبقاء الزراعة على قيد الحياة: التلقيح.
وبواقع الأرقام؛ تأتي ثلث إمداداتنا الغذائية العالمية من "نشر غبار الطلع (التلقيح)" الذي يقوم به النحل.
ببساطةٍ، يُبقي النحل النباتات والمحاصيل على قيد الحياة؛ ولولاه لما كان البشر يملكون ما يكفي ليتناولوه منها.
وإذا ما وضعنا ذلك في سياق، فهناك العديد من المحاصيل التي يتم تلقيحها من خلال النحل: اللوز، والتفاح، والمشمش، والأفوكادو، والتوت البري، والشمام، والقهوة، والخيار، والباذنجان، والعنب، والكيوي، والمانجا، والبامية، والدراق، والكمثرى، بالإضافة إلى الفلفل والفراولة واليوسفي والجوز والبطيخ.
كان عدم تواجد النحل ليتسبب بإزالة هذه المحاصيل عن الوجود ومن منطلق أن النحل ضروري لبقائنا أحياء نحن أيضاً، علينا أن نبذل جهوداً أكبر لحمايته والحفاظ عليه.
والأمر كما تقوله عالمة الحشرات المعروفة، مارلا سبيفاك "يحتاج كل من يهتم بصحة الكوكب، في الفترة الحالية وللأجيال القادمة، للاستجابة إلى دعوة الاستيقاظ هذه".
وتضيف "انخفاض أعداد النحل يقود إلى انخفاض حجم المحاصيل، وبالتالي احتمالية ارتفاع أسعار الفاكهة والخضراوات؛ نحل أقل يعني لوزا أقل وقهوة أقل، وتبنا أقل للأبقار المنتجة للألبان".
"نحتاج إلى طعام جيد ونظيف بطبيعتنا، وكذلك هو حال المُلقح أيضاً؛ ففي حال لم يتحصل النحل على ما يكفيه من طعام، لن نجد ما يكفينا نحن لنتناوله؛ يصرخ النحل المحتضر لنا برسالة تقول أنه لا يستطيع أن يبقى حياً في بيئاتنا الزراعية والحضرية الحالية".
لماذا يختفي النحل؟
يجري حالياً نقاش يلف قضية اختفاء النحل ويبدو لمن الواضح جداً أن المبيدات الحشرية هي المذنب الرئيسي.
زاد استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، أضعافاً مضاعفة.
وعلى صعيد متصل، أصبح لمن المقترح الآن أن انتشار استخدام المبيدات الحشرية –المعروفة باسم "نيونيكوتينويدز"- أمر يضر بصحة النحل بشكل كبير.
تعرف النيونيكوتينويدز، التي تشابه النيكوتين كيميائياً، بأنها مبيدات حشرية منتشرة بشكل هائل في العالم وهي تُسم النحل وغيره من الملقحات الأخرى على الأرجح وفي جوهرها، تعرف المبيدات الحشرات بأنها مضرة بالبيئة أيضاً، فضلاً عن كونها تقتل الكائنات الحية التي تساعد العالم والبشر في البقاء على قيد الحياة.
وأظهرت دراسة، أصدرتها كلية هارفارد للطب العام، أن هذه المبيدات الحشرية تساهم مباشرةً في حدوث ظاهرة تسمى "اضطراب انهيار المستوطنة" وتعتبر هذه الظاهرة أساساً العملية التي يهجر فيها نحل العسل خلاياه.
عندما يتعرض النحل للمبيدات الحشرية كمثل النيونيكوتينويدز، يجنُ جنونه ويصبح لا يدرك كيف يعود إلى منزله. والأمر يماثل معاناة شكل من أشكال داء "ألزهايمر".
مع ذلك، فإنه لمن المهم ملاحظة أن هناك عوامل أخرى تلعب دوراً كبيراً في موت النحل، على الرغم من أن المبيدات الحشرية هي على الأغلب أكبر الأسباب.
تبدو هذه المسألة في ماهيتها مشكلة معقدة لا يزال أبرز علماء العالم يتقصون أمرها؛ فبالإضافة إلى المبيدات الحشرية، على سبيل المثال، يُعتقد أن النحل يموت كنتيجةٍ للطفيليات على اختلاف أشكالها، مثل سوس "الفاروا".
وعلى هذا الأساس، يموت النحل كنتيجة لمزيج من العوامل، ولكن بشكل رئيسي من تأثره بالممارسات البشرية والمشاكل الراهنة ذات العلاقة بالتغيرات المناخية.
يدمر البشر المَواطن البرية حيث يُحصل النحل تقليدياً غذاءه، في ضوء أن النحل لدى تلقيحه النباتات على اختلافها، يحوز بالمقابل لنفسه على قوتِه الغذائي.
وقالت سبيفاك في هذا الخصوص "إن المثير للسخرية هو أن النحل ليس هناك ليلقح غذاءنا متعمداً، فهو هناك لأنه يحتاج إلى تناول الطعام حيث يحصل النحل جميع البروتين الذي يحتاجه في نظامه الغذائي من حبوب اللقاح، وجميع ما يحتاج من الكربوهيدرات عبر الرحيق".
وحاول بعض مربي النحل استبدال الرحيق ببديل آخر لإطعام النحل، ولكن تبين في نهاية المطاف أنه لا يديم صحة النحل بالطريقة نفسها التي يديمها الرحيق، فليس هنالك من بديل أفضل من الطريقة الطبيعية للعالم.
وعلاوة على ذلك؛ يُعتقد أن التغيرات المناخية قادت أيضاً إلى انقطاع تزامن تفتح الزهور وبيات النحل وهذا يتسبب بدوره بموت النحل هو الآخر.
ببساطةٍ؛ يقوم البشر بأمور فظيعة تجاه النحل حيث تساهم المبيدات الحشرية إلى جانب التردي والتلوث البيئي في المعدلات المقلقة لموت النحل.
وتكمن المفارقة المأساوية هنا في أننا عندما نقتل النحل، نكون نؤذي أنفسنا بالمقابل؛ يعتمد بقاؤنا أحياء على صحة الكوكب والمخلوقات التي تعتليه، وفي حال لم نبدأ في إدراك ذلك سنستمر في التسبب بزواله وزوالنا.
يمكننا أن ننقذ النحل
 لحسن الحظ، هناك بالفعل جهودٌ مكثفة لإنقاذ النحل والملقحات الأخرى؛ في الواقع، وتحديداً في شهر حزيران (يونيو) الماضي، أنشأ رئيس الولايات المتحدة الأميركية، باراك أوباما، لجنة مهمات للحفاظ على صحة الملقحات تعتبر هذه اللجنة جزءا من الجهود الفدرالية المخصصة للمساعدة على تعويض خسائر الملقحات المهمة، كالنحل.
كذلك أعلنت وزارة الزراعة الأميركية عن 8 ملايين دولار، تقدم على شكل حوافز، للمزارعين الذين ينشئون مساكن جديدة لنحل العسل.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن لامتلاك المرء حديقة ببساطة أن يساعد كثيراً صحة ومعيشة نحل العسل؛ جل ما في الأمر هو أن يزرع الفرد منا الزهور في حديقته دون أن يرشها بالمبيدات الحشرية، ليساهم في إنقاذ النحل.
كلما زادت أعداد الأزهار، كلما زادت فرص النحل في تحصيل المواد الغذائية التي يحتاجها للبقاء حياً.
 تواجد أعداد أكبر من النحل أمرٌ جيدٌ بالنسبة إلى الكوكب ولنا نحنا كذلك.
ومن المهم أيضاً أن نقوم بزراعة مجموعة متنوعة من الزهور في العديد من المواقع؛ فنحن نحتاج الزهور في البيئات الحضرية والريفية، في ضوء أن ذلك سيساعد في ضمان صحة النحل ومحاصيلنا.
ليس العالم عالمنا وحدنا، فنحن نتشاركه ومجموعة ضخمة من الكائنات الأخرى؛ ومن منطلق أن البشر هم أكثر من أحدث أضراراً في الكوكب، يقع على عاتقنا أن نصحح مساراتنا والمحاربة من أجل الحفاظ على صحته.
لدينا كوكب أرض واحد؛ لذلك؛ عندما ينقرض نوع من المخلوقات ينتهي من الأرض كلياً. وفي هذا السياق، نحن لا نستطيع أن نسمح بانقراض النحل، إذا ما كنا نملك أي أملٍ بالنجاة.
يجب أن نفتح أعيننا لآثار التغيرات المناخية؛ فإنه لمن المؤكد ما أوضحته الدراسات والمتمثل في أنه كنتيجة للجهود البشرية المبذولة حالياً، بدأت طبقة الأوزون تتعالج، ولكن لا يزال هنا الكثير مما يتعين القيام به؛ إن حماية الكوكب ستغدو مهمةً مستمرةً ستحتاج بطبيعتها إلى يقظةٍ دائمة.
ليس هناك من وقت أفضل من الحالي للبدء بتصحيح مسار الأعمال الضارة التي أثر بها البشر سلباً على البيئة. الخطوة الأولى هي تثقيف الأفراد حول المشكلة، وكيف يمكن أن يساهموا في حلها. يتطلب هذا المسعى مشاركة جميع سكان الأرض الـ7.1 مليار؛ فعندما يتعلق الأمر بنجاة الكوكب، لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي بلا مبالاة.

(جون هولتيوانغر  * إلايت ديلي)

التعليق