أشخاص "يبيعون" الكلام بمنأى عن الفعل

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • ما يزال ينقصنا أولئك الأشخاص الذين يجيدون الفعل أكثر من الكلام - (أرشيفية)

ربى الرياحي

عمان- يتكلمون باتزان وحكمة وموضوعية عن الأصول والواجبات، تبهرنا آراؤهم السديدة التي يحرصون على طرحها دائما في كل المواقف الجادة فهم وبدون مبالغة يتمتعون بلباقة كبيرة يستطيعون من خلالها عرض أفكارهم المنطقية والتي تصب غالبا في صلب الموضوع قد تكون قدرتهم على التحدث بأسلوب هادئ ومقنع يجعل جميع المحيطين بهم يستمعون إليهم بإصغاء تام، معتقدين أن كل ما يتفوهون به سيترجم ويصبح أفعالا تدخل حيز التنفيذ.
هذا النوع بالتحديد من الأشخاص يعرفون جيدا كيف يخدعوننا بكلامهم المنمق المعسول والقائم على جملة كبيرة من الوعود الكاذبة المزيفة التي لا تخرج عن كونها ثرثرة فارغة ليس فيها تلك المصداقية التي نحتاجها لتحررنا من مشكلات وهموم قادرة على استنزافنا.
نحن ورغم كل تلك العلاقات الشائكة التي تربطنا بالآخرين إلا أنه ما يزال ينقصنا أولئك الأشخاص الذين يجيدون الفعل أكثر من الكلام كونه هو الدليل الحقيقي على مدى صدقنا والتزامنا بوعود كثيرة قد نقطعها على أنفسنا في كثير من الأحيان لنثبت لمن حولنا بأننا جادون في مساعدتهم وننسى نقطة مهمة وهي أننا بتلك الوعود الكاذبة منحنا قلوبهم أملا جديدا سينتهي حتما بالخذلان لأنهم وببساطة وثقوا بوعودنا واعتبروها حقيقية غير خاضعة للشك أو التضليل لهذا السبب كانت خسارتهم مضاعفة لذلك، فمهم جدا أن يكون التعاطي مع هذا النوع من الشخصيات مرهونا بضوابط تقدر مشاعر الآخرين وتحد من التلاعب بها، محاولين التخلص من ذلك التنظير المفتقر لفعل يدعمه ويمنحه الحق في الانتقال من مجرد كلام قابل للتغيير والتحريف إلى فعل حقيقي ليس فيه مجال للتراجع.
الغريب حقا هو أن أولئك الأشخاص الذين اتخذوا من الكلام سبيلا لاستعراض قدراتهم والتظاهر بأنهم يستطيعون تخليصنا من أشياء كثيرة تؤلمنا لم يحاولوا ولو قليلا أن يفكروا بوقع كلماتهم الرنانة تلك على نفسية من يستمع إليهم ربما لأنهم يرفضون الاعتراف بحقيقتهم التي تتلخص بعجزهم عن تنفيذ كلامهم مقررين الاكتفاء فقط بتلك المهارة التي تعينهم على نثر أفكارهم بحرية بدون أي قيود تلزمهم بتجسيدها فعليا ويعطون لأنفسهم الحق في انتقاد غيرهم ممن أتقنوا جيدا بيع الكلام متجاوزين كل السلبيات التي قد يتركونها في أعماق المحيطين بهم.
فهم وباختصار يرون أن هناك الكثير من الأفكار والآراء التي يريدون التطرق إليها ليثبتوا للجميع أنهم متنبهون لكل ما يجري حولهم من أحداث تتطلب فقط موقفا حازما يحسب لهم يحررهم حتما من كل تلك الكلمات المنسقة بإتقان قاصدين من وراء ذلك كله لفت الانتباه كنتيجة طبيعية لسياسة القمع التي كانت تمارس في حقهم منذ الصغر وما تزال إلى الآن قد يجهلون تماما السبب الذي جعلهم يلجأون إلى بيع الكلام بمنأى عن الفعل، إلا أنهم قادرون على اجتياز نقطة الضعف هذه والتي تحاول إشباع نقص ما في شخصيتهم سببته حتما سوء التربية والمعاملة القاسية التي ترفض أن يكون لهم دور مهم في التعبير عن ذلك الواقع الذي يعيشونه.
استمرارهم بتقديم النصح والتوجيه لغيرهم بدون النظر إلى الخطأ الفادح الذي يرتكبونه والمتمثل في فصل الكلام عن الفعل واستقصائه عن تلك الترجمة الواقعية التي تمنحه شكلا جديدا خاليا من الكذب والتزييف والمماطلة يجعلهم عرضة للتجاهل والتهميش وربما أيضا انعدام الاحترام، فهم وببساطة لم يستطيعوا الموازنة بين أحاديثهم المهمة المنمقة وبين ما يجب عليهم فعله لتكتمل المعادلة الصعبة في تلك العلاقات التي اختارت أن تنهار وتتبخر فقط لأن أصحابها يرفضون قطعا مواجهة ذواتهم والوقوف عند أخطاء استثنائية من الممكن تصويبها ليصبحوا أفضل غير مكترثين بما سيقوله عنهم الآخرون، فليس من المعقول أبدا أن نتأثر بكل كلمة قد تخرج بمحض الصدفة أو لإضعاف معنوياتنا وتحطيمنا نفسيا لأي سبب من الأسباب.
كل ما يلزمنا حاليا هو أن نضفي على أحاديثنا الكثيرة المتناثرة هنا وهناك شيئا من المصداقية والجدية لنكون أكثر إقناعا وتأثيرا في المحيطين محاولين بشتى الطرق استعادة نظرة الاحترام تلك التي خسرناها بسبب قلة وعينا واستهتارنا بأدق التفاصيل.

life@alghad.jo

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع ومفيد (نادر ناصر بشارات)

    الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    كم أنت رائعه يا أخت ربى , فقد اشَرت إلى موضوع غايه في الأهميه وهو منتشر ويجب التنبيه عليه , وهناك الكثير ممن يسدون النصائح ويطلقون الاحكام ويحملون الناس أحمالا ثقيله وهم لا يحركونها بإصبعهم , وقد أوضحت نقطه مهمه جدا بأن السبب هو حاله نفسيه منشأها تربوي على الاغلب . فشكرا لإلقائك الضوء على هذا الموضوع المهم , ونحن دائما بانتظار مقالاتك الرائعه , والرب معك ويحفظك ويباركك .