نهاية الشرق الأوسط؟

تم نشره في الثلاثاء 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً

روبرت كابلان* — (ريل كلير بوليتيكس) 30/10/2014

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
لأن الجغرافيات السياسية تستند إلى حقائق جغرافية أزلية، فإن القليل نسبياً من هذه الجغرافيات يصل إلى نهاية. قد يكون حلف وارسو قد تفكك بعد انهيار جدار برلين، ولكن روسيا ما تزال قوية وما تزال موجودة في جوار وسط وشرقي أوروبا. ولذلك، ما يزال التهديد الروسي لأوروبا موجوداً. وقد تكون القوات الأميركية قد هزمت اليابان وسوتها بالأرض في الحرب العالمية الثانية، لكن مواطنيها الدينامين —بفضل منطقة معتدلة المناخ- ما يزالون يتمتعون بالقوة في حوض الباسفيكي، وقد يستمرون في ذلك في الأعوام التي ستلي. وقد تكون الولايات المتحدة قد ارتكبت حماقة بعد الأخرى في فيتنام والعراق وأفغانستان، لكنها تظل على الرغم من كل هذه الحروب الجديرة بالازدراء، وبهامش كبير، هي القوة العسكرية الأكبر على الأرض —وهو ما يجيء في نهاية المطاف نتيجة لكون أميركا دولة جزيرة ذات حجم قاري، بالإضافة إلى كونها آخر مساحة غنية بالثروات في المنطقة المعتدلة التي يتم استيطانها في زمن التنوير الأوروبي.
وهكذا، نأتي إلى الشرق الأوسط الأوسط، الذي يبقى، بالرغم من كل تغيراته والاضطرابات التي مر بها على مدى العقود وكل الحديث عن "محور" الباسيفيكي الأميركي، منطقة بالغة الحيوية بالنسبة للولايات المتحدة. وتشكل إسرائيل حليفاً استراتيجياً بحكم الأمر الواقع بالنسبة للولايات المتحدة، وما تزال تعاني المصاعب لأكثر من ستة عقود حتى الوقت الراهن، ما يتطلب ضرورة الحماية الأميركية. وما تزال منطقة الخليج تعتبر رأس المال الهايدروكربوني للعالم، وبذلك يشكل مصلحة أميركية أولى. ولا شك أن المسؤولين في واشنطن يودون نقل موضع التركيز إلى الباسفيكي، لكن الشرق الأوسط ببساطة لن يسمح لذلك بالحدوث.
مع ذلك، هناك تحول حاصل في علاقة أميركا مع المنطقة، ويمكن أن يضيف الاستنزاف من نفس النوع إلى التغيير الكبير.
طوال عقود، مثل الخليج مصلحة أميركية أولى: كان مكاناً حاسماً بالنسبة للرفاه الاقتصادي الأميركي. فالاقتصاد الأميركي هو اقتصاد النفط والسيارات العظيم للعصر الراهن، حيث الطرق السريعة الرابطة بين الدول والتي تشكل رابط النقل الرئيس للقارة بأكملها. وكان نفط الخليج رئيسياً لخدمة تلك المؤسسة. لكن الخليج أصبح يمثل على نحو متزايد مصلحة ثانوية للولايات المتحدة: إنه يظل بالتأكيد منطقة مهمة لرفاه حلفاء أميركا وللتجارة العالمية وللنظام الاقتصادي العالمي بشكل عام، لكنه ليس حاسماً على وجه التحديد بالنسبة لأميركا نفسها، بغض النظر عن الحرب التي تشن لإلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية. ومع ذلك، ومهما كان حجم النفط الذي ما تزال تستورده الولايات المتحدة من منطقة الخليج، فإن الحقيقة تقول أن أميركا ستتوافر على المزيد من بدائل الطاقة في الوطن وفي الخارج في العقود المستقبلية.
في الحقيقة، توشك الولايات المتحدة أن تكون، بشكل ما، مكتفية ذاتياً من ناحية الطاقة في إطار أميركا الشمالية الكبرى، من الرمال القارية لألبيرتا، كندا، إلى حقول النفط في فنزويلا. وقد يستخدم الرئيس الأميركي حق النقض على نظام خط الأنابيب الرئيسي الذي سيجلب النفط من كندا إلى خليج المكسيك، لكن خبراء الصناعة يعتقدون بأن المستقبل سيشهد في عموم الحالات تعاوناً مثمراً بين الولايات المتحدة وكندا في قطاع الطاقة. وثمة أيضاً الاستغلال الهائل للغاز الصخري في تكساس ولويزيانا وداكوتا الشمالية وأوهايو وبنسلفانيا ونيويورك. ومن المحتمل أن تستثمر شركات أميركية مستقبلاً أكثر في صناعات الطاقة المكسيكية (وفي نهاية المطاف) الفنزويلية، في أعقاب التحرير الاقتصادي المتزايد في مكسيكو سيتي، واحتمال أفول حقبة شافيز في كراكاس. وكل هذا يخدم فكرة فصل الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط.
 بينما ستقل حاجة الولايات المتحدة لهايدروكربونات الشرق الأوسط باطراد، فإن الشرق الأوسط سوف تستهلكه للعديد من السنوات القادمة دوامة الفوضى السياسية العارمة الداخلية التي تعري في حد ذاتها حدود القوة الأميركية. في حقبة الدول العربية الاستبدادية القوية، كان من السهل عرض القوة الأميركية. كان الأمر فحسب مسألة دبلوماسيين أميركيين الذي يتوسطون في إبرام معاهدات سلام واتفاقيات للفصل بين القوات وتفاهمات سرية وتأسيس علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وبعض جيرانها. وبعد كل شيء، كان لدى معظم الدول العربية رقم هاتف واحد فقط للاتصال معه —هاتف الحاكم المسؤول. ولكن، مع من يمكن الاتصال الآن في طرابلس أو صنعاء أو دمشق (حتى ولو ان القاهرة قد عادت مؤقتاً إلى حكم الدكتاتورية العسكرية؟) عندما لا يكون هناك أحد في موقع المسؤولية، يكون من الصعب أن يؤتي الضغط الأميركي أكله. وبهذا تشكل العارمة وحدها إحراجاً للقوة الأميركية.
في الأثناء، تظل الولايات المتحدة عملاقاً عالمياً. كما أن القوة الأميركية، خاصة القوة العسكرية، تستطيع إنجاز العديد من الأشياء. تستطيع الولايات المتحدة الدفاع عن اليابان وتايوان ضد الصين، والدفاع عن كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية، وتستطيع الدفاع عن بولندا ضد روسيا، وفي نهاية المطاف تستطيع الدفاع عن إسرائيل ضد إيران. لكن ثمة شيئا واحداً لا تستطيع القوة الأميركية إنجازه، كما أظهر عقد من التدخل في العراق وأفغانستان، وهو إعادة بناء المجتمعات الإسلامية من الداخل. وسوف يكون بناء المجتمعات من الداخل هو التحدي الرئيسي الذي يواجهه العالم العربي لنصف العقد المقبل على الأقل. وهكذا، فإن أميركا، وبالرغم من تدخلاتها العسكرية الأخيرة، تصبح ذات صلة أقل بالمنطقة، حتى عندما لا تعود المنطقة تمثل تماماً المصلحة الأولى بالنسبة لأميركا كما درجت أن تكون. ويجب علينا أن نضع هذا في الاعتبار راهناً، سيما وأن الحرب ضد الدولة الإسلامية تهدد بتشتيت انتباهنا عن مسارح أخرى.
 وهكذا، وفي التغيرات الجليدية التي تحدد الجغرافيات السياسية على الأغلب، تتحرك الولايات المتحدة (أي أميركا الشمالية الكبرى) بعيداً عن الشرق الأوسط. ويحدث هذا في الوقت الذي يتفكك فيه الشرق الأوسط ليذوب ببطء في عالم المحيط الهندي الأكبر.
لأنه بينما تحتاج الولايات المتحدة مقاديراً متناقصة من البترول من الشرق الأوسط، فإن الصين والهند تتطلبان الأكثر والأكثر منه. وقد تكون اقتصاداتهما قد تباطأت، لكنها ما تزال تنمو. ويستطيع الخليج —في التحليل النهائي— أن يدخل في عاصفة نارية نووية، وسوف تنجو أميركا من ذلك بشكل جيد، وشكراً. لكن الصين والهند ستواجهان المشكلة الأكبر. فالصين لا تتوافر على سياسة خارجية، تماماً مثل عدم توافرها على سياسة لتملك الثروة. إنها ليست منخرطة بازدياد في صفقات طاقة مع العربية السعودية والعراق وإيران فقط، بل إنها تحاول راهنا ًبناء وإدارة والمساعدة في تمويل موانئ حاويات في تنزانيا وباكستان، حتى تتمكن في نهاية المطاف من شحن السلع التجارية من الحافة الغربية للمحيط الهندي إلى الحافة الشرقية، ثم إلى الصين نفسها. وبينما يحدث كل هذا، تخطط عُمان، مثلا، لبناء مسارات وخطوط أنابيب من خارج مضيق هرمز إلى بلدان في داخل المضيق، حتى وإن كانت لدى الصين والهند خطط رؤيوية لربط آسيا الوسطى الغنية بالطاقة وغير المطلة على بحر بخط أنابيب مع غربي الصين والمحيط الهندي.
في هذه الجغرافية الاستراتيجية المتغيرة لأوائل ومنتصف القرن الحادي والعشرين، يصبح الشرق الأوسط بوتيرة بطيئة عالماً يتحدد أقل بصراعه الخاص ونظامه التجاري، ويتحدد أكثر بصراع ونظام تجاري يمتد إلى منطقة الحافة الجنوبية القابلة للإبحار لشبه القارة اليوروآسيوية، مع مجسات تصل شمالاً إلى آسيا الوسطى. وهكذا، ينجم المحيط الهندي باعتباره النظام البين-دولي الهيدروكربوني العالمي الذي يربط حقول النفط والغاز في الخليج مع البؤر الحضرية للطبقة الوسطى في شبه القارة الهندية وشرق آسيا.
في هذا السيناريو، لا تهجر الولايات المتحدة الشرق الأوسط، تماماً كما لا تخترقه الصين والهند بشكل كبير. لكن ثمة تحركاً —نفسياً بشكل خاص— بعيداً عن واقع في اتجاه آخر. وفي العملية، فإن الشرق الأوسط، كمنطقة واضحة التعريف للدراسات في القرن العشرين، أصبح يعني أقل مما اعتاد أن يكون.
حسب ما تختصره العناوين الرئيسية الراهنة، فإن أوباما لم يكن غير مسؤول برفضه الانخراط أكثر مما فعل في الفوضى العارمة الطائفية السائدة في سورية، وقراره حتى الآن الامتناع عن اتخاذ إجراء عسكري ضد المنشآت النووية في إيران. إن رئاسته هي ببساطة علامة من علامات هذه الحقبة: إمارة على محدوديات القوة الأميركية والمصالح المحدودة أكثر التي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، باستثناء الإرهاب. ويشكل الانفتاح على إيران، كما ظهر في الاتفاقية المؤقتة المتعلقة في برنامج طهران النووي، جزءً من هذا التحول. إن الولايات المتحدة تحاول ترتيب بيتها في الشرق الأوسط من خلال تقارب مع كل أطياف الملالي، بحيث تستطيع تكريس المزيد من الوقت للمناطق الأخرى. ومن الطبيعي أن يكون هذا الوضع قد انقلب بسبب الحرب ضد الدولة الإسلامية، لكنه سيظل هدفاً أميركياً عالياً بالرغم من كل شيء.

* المحلل الجيوسياسي الرئيسي في مؤسسة "ستراتفور" الاستخبارية الجيوسياسية، وهو مؤلف "مرجل آسيا: بحر الصين الجنوبي ونهاية الباسفيكي المستقر".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The End of the Middle East?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق