مروان المعشر

ماذا تعلمنا تونس.. مرة ثانية؟

تم نشره في الأربعاء 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:09 صباحاً

عندما أدلى التونسيون بأصواتهم الأسبوع الماضي، تعدت النتيجة انتخاب مجلس نواب جديد؛ هو الثاني بعد الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، إلى المساهمة في دحض ثلاثة انطباعات خاطئة عن الديمقراطية في العالم العربي.
الانطباع الأول، مفاده أن الإسلاميين إن وصلوا للسلطة فلن يتركوها. ولعقود، استعملت معظم الأنظمة العربية هذه المقولة لمنع الإسلاميين وغير الإسلاميين من الوصول للسلطة، أو حتى المشاركة فيها. لكن حزب حركة النهضة الإسلامي التونسي أثبت احترامه للعملية السياسية، في النصر والهزيمة معا. وبدلا من التشبث بالسلطة أو العمل لإبطال نتيجة الانتخابات بالقوة، اعترف الحزب بالهزيمة حتى قبل إعلان النتائج النهائية، وأثبت إيمانا حقيقيا، وليس لفظيا، بأن مصلحة الوطن تعلو على مصلحة الحزب. بهذا، سجل "النهضة" سابقة في العالم العربي لحزب إسلامي يأتي للسلطة ويخرج منها وفقا لصناديق الاقتراع وإرادة الشعب. وستكون حجة القوى التقليدية في نفي إمكانية حدوث ذلك أصعب ترويجا من الآن فصاعدا.
الانطباع الخاطئ الثاني، هو أن ولاء المواطن العربي لأيديولوجيا معينة؛ مدنية كانت كالقومية العربية، أو دينية مرتبطة بالأحزاب الإسلامية، يطغى دائماً على درجة تحقيق أي من هذه الأحزاب لاحتياجات البلد الاقتصادية. فواقع الحال في تونس أن الأحزاب الثلاثة التي شكلت "الترويكا" الحاكمة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، خسرت جزءا مهما من شعبيتها لعدم قدرتها على محاكاة الاحتياجات الاقتصادية والأمنية للمواطن التونسي، وهي أحزاب دينية ومدنية؛ وأن حزب "نداء تونس" الذي تشكل بعد الثورة تمكن، خلال سنتين، من هزيمة أحزاب لها باع طويل في التنظيم الحزبي والتعبئة الجماهيرية، بما فيها حزب "النهضة"، لأن الناس تتوقع أداء أفضل منه. وأعتقد أن "نداء تونس" سيُهزم أيضاً في الانتخابات المقبلة إن لم يتمكن من تخطي الأيديولوجيا البحتة، وتقديم حلول عملية لمشاكل الناس. لقد بدأت النتائج تطغى على الأيديولوجيا على سلم أولويات الناس.
الانطباع الثالث، يتمثل في أن الديمقراطية لا تصلح لبلادنا، وأن الاستقرار يتحقق عن طريق القوة وليس من خلال صناديق الاقتراع التي ستجلب قوى دينية، وتخلق حالة من الفوضى والعنف، كما نشهد في العراق وسورية. لم يتحقق ذلك في تونس، بل تم العكس. تونس أنتجت نموذجا تشاركيا جعلها في طليعة الدول العربية التواقة لاستقرار طبيعي، ناتج عن شعور المواطن بالرضا كونه شريكا حقيقيا في عملية اتخاذ القرار؛ وليس استقرارا زائفا مفروضا بالقوة، وبالتالي غير قابل للاستدامة. تونس أنتجت دستورا توافقيا أقر فيه الجميع، بمن فيهم الإسلاميون، حقوقا كاملة غير منقوصة للمرأة، وحق المعتقد للجميع من دون ترهيب أو ضغط. وقد أخذت الديمقراطية بعض الوقت للنضوج في تونس، وستأخذ وقتا أكثر، لكن التونسيين أثبتوا أن بعض الصبر يؤسس لديمقراطية مستدامة لا يمكن أن تتحقق من خلال حكم العسكر.
دروس في غاية الأهمية يعطيها هذا البلد الصغير للمنطقة كلها. وإن كان لتونس خصوصية، فلا بأس. أن تستطيع الأحزاب الدينية والمدنية التصرف على هذا النحو الراقي في بلد لم يعرف الديمقراطية من قبل، فإن أمثاله من البلدان العربية الأخرى تستطيع فعل ذلك أيضاً، من دون الاحتماء وراء تفسير ضيق للدين، أو احتكار غير مستدام للسلطة بالقوة.
أمامنا اليوم نماذج عدة لمستقبل العالم العربي؛ يقع على طرف منها نموذج إقصائي عنفي جاهلي اسمه "داعش"، فيما يقع على الطرف الآخر نموذج تشاركي سلمي مستنير اسمه تونس. القرار لنا. وفي الأثناء، تحية لتونس والتونسيين والتونسيات، وتحية للنموذج التعددي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تفكير موضوعي (د. ابراهيم الحسـناوي)

    الأربعاء 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    مضمون المقال ينسجم مع أمرين : أمر دنيوي يقوم على تبني قاعدة "تداول السلطة" وينسجم مع أمر ديني وهو نابع من الآية الكريمة "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". والمقال يمثل تفكير استراتيجي صحيح وهادئ وإقناعي، ويا ليت قومي يعقلون. وتحية للكاتب الفاضل.