مروان المعشر

عندما ينقلب السحر على الساحر

تم نشره في الأربعاء 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:09 صباحاً

تتصرف إسرائيل بعنجهية واضحة في تعاملها مع قضية المسجد الأقصى، بل وفي تعاملها مع القضية الفلسطينية بشكل عام. وفي حين كان من المتفق عليه في "إعلان أوسلو"، قبل أكثر من عشرين عاما، أن يتم حل القضية الفلسطينية خلال خمسة أعوام، استخدمت إسرائيل كل أساليب المراوغة الممكنة لتضاعف عدد المستوطنين في الأراضي التي احتلتها العام 1967؛ من مائتين وخمسين ألف مستوطن وقت توقيع "أوسلو"، إلى أكثر من خمسمائة وخمسين ألف مستوطن في الضفة الغربية، بمن فيهم حوالي مائتي ألف مستوطن في القدس الشرقية. ما يعني أن أي حل مبني على أساس الدولتين -شرط أن تكون الدولة الفلسطينية قابلة للحياة، وعلى أساس حدود 1967 ومتضمنة عودة القدس الشرقية، مع حل مقبول لموضوع اللاجئين- هو حل غير قابل للتنفيذ. أقول هذا الكلام وقد كان لي شرف الاشتراك في تمثيل بلادي في محاولة إيجاد حل للقضية الفلسطينية؛ ينهي الاحتلال الإسرائيلي، ويمنح الفلسطينيين دولة يمارسون فيها حق تقرير مصيرهم على ترابهم الوطني.
بعد أكثر من عشرين سنة من هذه المحاولات، من الصعب تجاهل أن الائتلاف الحاكم في إسرائيل اليوم غير معني على الإطلاق بالموافقة على دولة فلسطينية قابلة للحياة، تتضمن السيادة على القدس الشرقية وغور الأردن والأراضي المحتلة منذ العام 1967. ومن الصعب تجاهل أن الجيل الفلسطيني الجديد يبدو هو الآخر، وبتزايد خلال السنين الأخيرة، غير معني أيضاً بدولة ذات سيادة محدودة، بل ومنزوعة السيادة في القدس الشرقية وغور الأردن، ولا تتضمن حلا مقبولا لقضية اللاجئين.
ما وصلنا إليه اليوم يضيف وصفا جديدا للسياسات الإسرائيلية، وهو الغباء المطلق. فعامل الوقت الذي استخدمته إسرائيل لخلق حقائق جديدة على الأرض تجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية، هو نفسه ما سيستخدمه الفلسطينيون في المستقبل ضد إسرائيل. كيف؟ وفقا للإحصاءات الإسرائيلية الرسمية، يتساوى عدد السكان اليهود في إسرائيل اليوم، والبالغ 6.1 مليون نسمة، مع عدد العرب في الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية (إسرائيل، والضفة الغربية وقطاع غزة). وبعد عقد أو عقدين من الزمن، سيصبح عدد الفلسطينيين أكبر من عدد الإسرائيليين اليهود، إذا أخذنا بعين الاعتبار نسبتي التكاثر السكاني الفلسطينية والإسرائيلية. وإن أصبح واضحا للجانب الفلسطيني عدم إمكانية تحقيق حلمه بإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، فإن الحل الآخر يتمثل في المطالبة بحقوقه الكاملة على ترابه الوطني، ضمن الدولة التي يعيش فيها، وهي إسرائيل. وبالطبع، فإن حصوله على هذه الحقوق يمثل نهاية الحلم الصهيوني بإقامة دولة يهودية ديمقراطية على التراب الفلسطيني.
هل ما أقوله ضرب من الخيال؟ ليس بالضرورة. عندما طالب المفكر الفلسطيني سري نسيبة، في العام 1986، بحقوق متساوية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، اتهم بالخيانة. أما اليوم، فإن عددا متزايدا من الجيل الفلسطيني الجديد بدأ بالتفكير جديا في هذه الخطوة؛ إذ من غير المعقول أن يقبل المجتمع الفلسطيني البقاء تحت الاحتلال، أو أن يعامل أفراده كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة للأبد. كما أنه ليس هناك دولة في التاريخ استطاعت فيها الأقلية حكم الأغلبية للأبد.
صحيح أن إسرائيل حاولت، وستبقى تحاول منع حدوث هذه الحتمية الديموغرافية والتاريخية. وفي الماضي، استقطبت نحو مليون يهودي من الاتحاد السوفيتي السابق، لزيادة عدد اليهود. لكن يبدو واضحا اليوم أنه ليس هناك في العالم كله أعداد كبيرة من اليهود ترغب في الذهاب إلى إسرائيل، بل العكس هو ما يحدث. وفي العام 2005 تم "الانسحاب" من غزة للتخلص من 1.7 مليون فلسطيني، لكن غزة بقيت شوكة في الخاصرة الإسرائيلية. وتطرح إسرائيل اليوم حلولا من قبيل الخيار الأردني، لا يوافق عليها أردني واحد ولا فلسطيني.
تستطيع إسرائيل تجاهل المشكلة لبضعة أعوام، أو لعقد أو عقدين على الأكثر. لكنها لن تستطيع تجاهلها للأبد. حقاً إن السحر بدأ ينقلب على الساحر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مخالفة شروط الأتفاقية (كميل الطوال)

    الأربعاء 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    يا سيدي أنا معك في كل ما قلته, و لكن بما أنكم من المضطلعين و أحد أعضاء وفد المصالحة الأردني, يتبادر الى ذهني سؤال بديهي ألا و هو أن أي أتفاقية توقع سواء شخصية أو على مستوى الدول يجب أن عقوبات في حالة عدم التنفيذ أو الأخلال بشروط المعاهدة. أذن ما هي تلك العقوبات أن وجدت, و لماذا تم غض الطرف عنها على الأقل رسمياً؟
  • »ثمن مواقف التواطؤ ، الدولي ، والإقليمي. (أبو خليل الكزاعير)

    الأربعاء 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    إن استمرار سياسات التعسف ، وممارسات الإرهاب الصهيوني ، ضد القضية ، وأصحاب القضية ، لا يعود بسبب ضعف ، أو تجاهل المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية ، فحسب ............. بل إلى صمت ، وضعف ، وتواطؤ ، وتخاذل أنظمة العالم العربي ، والإسلامي ، وخاصة أنظمة المنطقة الفاسدة ، وإعطاءها الاهتمام ، والأولوية لمصالحها الخاصة ، وخدمة المصالح الدولية ، على حساب القضية المركزية ، وعلى حساب حقوق شعوب المنطقة.