قمة أنصار حكم الأثرياء؟

تم نشره في الأحد 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً

واين سوان*

بريسبان- في مأدبة عشاء رسمية في واشطن العاصمة، قبيل انعقاد قمة مجموعة العشرين في تشرين الثاني (نوفمبر) في بريسبان، ألقى قطب الإعلام الأسترالي المولد روبرت مردوخ محاضرة على الوزراء حول مخاطر الاشتراكية والحكومة الكبيرة. فبوصفه خصماً لدوداً لتسعير الكربون في أستراليا، وغريماً للرئيس الأميركي باراك أوباما قسته المعارك، أثنى مردوخ على فضائل التقشف والحد الأدنى من التنظيم، واحتج على التأثيرات المدمرة التي تخلفها شبكات الأمان الاجتماعي.
كان الوزراء في واشنطن لحضور الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث حاولوا تسوية الخلافات وإيجاد أرضية مشتركة قبل القمة المقبلة. ولكن النغمة التي استخدمها مردوخ تشير إلى أن التوصل إلى الإجماع حول النمو المستدام الشامل لن يكون بالمهمة السهلة اليسيرة.
الواقع أن تعليقات مردوخ تتماشى مع الآراء التي أعرب عنها صديقه رئيس الوزراء الأسترالي توني آبوت، وإدارة آبوت الحالية. ففي كانون الثاني (يناير) على سبيل المثال، أبلغ آبوت مؤتمر دافوس الذي أجفلته المفاجأة أن الأزمة المالية العالمية لم تكن ناجمة عن الأسواق المالية غير المنظمة، وإنما كانت نتيجة لتعاظم دور الحكومة. وكان ذلك بكل تأكيد خبراً مثيراً بالنسبة لوزراء المالية الذين أمضوا السنوات القليلة الماضية يصارعون التداعيات السامة التي أفرزتها تجاوزات القطاع المالي.
وفي ضوء هذا السياق من التعليقات، نستطيع أن نفهم بشكل أفضل رفض أستراليا وضع قضايا مثل تغير المناخ والرخاء الشامل على أجندة بريسبان. بطبيعة الحال، يشكل تحفيز النمو العالمي تحدياً كبيراً بالقدر الكافي في حد ذاته، حتى من دون بحث أمور مثل الشمولية أو الاستدامة البيئية. وتشهد على ذلك توقعات صندوق النقد الدولي القاتمة للنمو. وينظر العديد من صناع السياسات إلى رئاسة أستراليا لمجموعة العشرين باعتبارها فرصة لإعادة تنشيط وصقل مهمة المجموعة المتمثلة في تعزيز النمو العالمي، وخلق فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة. وقد اتفق وزراء مالية مجموعة العشرين بالفعل على هدف للنمو السنوي بنسبة 2 % حتى العام 2018، والآن يعكفون على غربلة أكثر من 900 مقترح حول الإصلاحات البنيوية اللازمة لتحقيق هذه الغاية.
ويتبقى لنا أن نرى ما هي مقترحات الإصلاح التي سيقدمها أعضاء مجموعة العشرين في بريسبان ومدى جديتهم في تنفيذها. بيد أن التحدي الأكبر يكمن رغم هذا في تحقيق أهداف النمو هذه بطريقة مستدامة وشاملة. فإذا لم يتم تصور الإصلاحات البنيوية على النحو الصحيح فمن المؤكد أن قمة بريسبان سوف تعد فاشلة.
الواقع أن الإصلاحات البنيوية التي تضحي بمصالح معينة من أجل تحقيق الصالح العام سوف تظل دوماً مثيرة للجدال وصعبة التنفيذ. ولكن عندما تنطوي مثل هذه الإصلاحات على تضحيات من قِبَل المواطنين العاديين وتستفيد منها المجموعات الأوفر حظاً في المجتمع، فمن المحتم أن يؤدي هذا إلى الجمود السياسي وعدم الاستقرار.
على مدى العامين الماضيين، ربط الأكاديميون والهيئات التنظيمية وخبراء الاقتصاد والمؤسسات المالية بين الركود المادي الطويل الأمد في الطلب وبين اتساع فجوة التفاوت في الدخول. ومن عجيب المفارقات أنه في وقت حيث يدخل العديد من سكان العالم النامي -أو يطمحون إلى دخول- الطبقة المتوسطة الناشئة، تصبح الثروة في قسم كبير من العالم المتقدم أكثر تركزاً عند القمة.
الواقع أن التفاوت في النتائج في الاقتصادات الناشئة والمتقدمة تزايد بشكل واضح داخل وبين الأجيال. وقد يكون رفض أستراليا مناقشة النمو الشامل في بريسبان سبباً في سرور أنصار حكم الأثرياء من أمثال مردوخ، ولكن الحديث عن الأسواق غير المنظمة، وخفض الضرائب، وإزالة شبكات الأمان الاجتماعي يشير بقوة إلى أن القمة لن تقدم أي سياسات موضوعية تهدف إلى الحد من التفاوت بين الناس.
ومع تبقي بضعة أيام قبل اجتماع بريسبان، تتجاهل مجموعة العشرين التهديدات الرئيسية الطويلة الأجل التي يواجهها الاقتصاد العالمي. والواقع أن محافظ بنك إنجلترا مارك كارني (الذي أظن أنه استمع أيضاً إلى محاضرة مردوخ) عَلَّق في وقت سابق من هذا العام، قائلا: "إن أصولية السوق غير المقيدة بأي ضابط أو رابط من الممكن أن تلتهم رأس المال الاجتماعي الذي يشكل ضرورة أساسية لضمان استمرار دينامية الرأسمالية ذاتها في الأمد البعيد". ومؤخراً أعربت مديرة صندوق النقد الدولي الإدارية كريستين لاجارد عن هذا الأمر بشكل أكثر وضوحا، فذكرت أن أغنى 85 شخصاً في العالم يتحكمون في ثروات أكبر من كل ما يملكه أفقر 3.5 مليار إنسان على كوكب الأرض، وأن هذه الدرجة من التفاوت وعدم المساواة تلقي بظلها القاتم الثقيل على الاقتصاد العالمي.
إن التفاوت بين الناس ليس بالقضية الهامشية. وتشكل مكافحة اتساع فجوة التفاوت ضرورة أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام والاستقرار السياسي. وتكمن قوة مجموعة العشرين الحقيقية في قدرتها على تسليط الضوء على مثل هذه التحديات وتوليد المناقشات المستنيرة حول القضايا المختلفة كتمهيد للعمل الجاد. والسؤال الآن هو من الزعيم الذي قد يمسك بمكبر الصوت العالمي في بريسبان ويطلق لحنجرته العنان؟ هذا إن كان لمثل هذا الزعيم وجود.

*نائب رئيس وزراء أستراليا ووزير خزانتها سابقا.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق