السوق النفطية تدخل حقبة جديدة

تم نشره في الثلاثاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • منشآة نفطية - (أرشيفية)

لندن- يعكس التراجع الكبير في أسعار النفط منذ الصيف تغييرات هيكليّة مهمة في السوق النفطية التي تدخل حقبة يسجل فيها العرض نموا اقوى من الطلب.
وفي وقت تراجعت أسعار النفط بمقدار ثلث قيمتها منذ منتصف حزيران(يونيو) يجمع كل المراقبين على الاقرار بان السوق النفطية دخلت مرحلة جديدة وتحدث مصرف كومرتسبنك الالماني عن "تغيير في النموذج" فيما اشار مصرف الاعمال الاميركي غولدمان ساكس الى "نظام نفطي جديد" ووكالة الطاقة الدولية الى "فصل جديد في تاريخ الاسواق النفطية".
واوضح رئيس شركة بيلاكو كابيتال  فريديريك لاسير "ندخل اليوم حقبة جديدة حيث لدينا من جهة عرض تم تحفيزه، وعلى الاخص نفط الشيست في أميركا الشمالية، ومن جهة اخرى تباطؤ في الطلب بسبب مستوى الاسعار المرتفع، ثم مؤخرا بسبب تدهور اوضاع الاقتصاد الكلي".
واوردت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الاخير ان "سنوات الاسعار المرتفعة (كان سعر نفط برنت يتراوح بشكل اجمالي بين 100 و120 دولارا منذ 2011) اتاحت لتكنولوجيات مبتكرة تحرير موارد هائلة في أميركا الشمالية وربما ايضا في اماكن اخرى قريبا".
والمثال الابرز على ذلك هو الولايات المتحدة التي انتقلت من متوسط انتاج قدره خمسة ملايين برميل في اليوم العام 2008 الى حوالى 8.4 مليون برميل في اليوم خلال الاشهر الثماني الأولى من هذه السنة بفضل استغلال نفط الشيست.
ومن المتوقع ان يصل هذا الانتاج الى 9.5 مليون برميل في اليوم العام 2015 وهذا النمو الهائل يوازي وفق حسابات خبراء الاقتصاد في كومرتسبنك وصول منتج جديد للنفط بحجم العراق وقطر معا الى السوق.
واوضح ادوارد موس من شركة سيتي غروب الأميركية ان "نمو الانتاج الأميركي اصبح عاملا جيوسياسيا حاسما في الاسواق النفطية" وصنفت الولايات المتحدة هذه السنة في المرتبة الأولى بين منتجي المحروقات السائلة في العالم متقدمة على السعودية التي كانت تتصدر تاريخيا هذه القائمة.
وتظهر تبعات نمو الانتاج الأميركي بشكل غير مباشر اذ تخفض بشكل حاد حاجات الولايات المتحدة الى الاستيراد وترغم مزوديها على البحث عن اسواق اخرى ما يحرك الصراع على حصص الاسواق في مواقع اخرى من العالم.
واوضح اولي هانسن المحلل لدى ساكسو بنك ان ارتفاع الانتاج الأميركي تأخر حتى يؤثر على أسعار النفط لانه بقي لفترة طويلة محجوبا بفعل انقطاع الانتاج في انحاء مختلفة من العالم ولا سيما في ليبيا.
لكن منذ الصيف انحسرت هذه الانقطاعات في الانتاج بشكل كبير فيما اتضح بشكل متزايد ان الطلب لم يعد قادرا على تسجيل نمو بمستوى العرض.
واوضحت وكالة الطاقة الدولية ان "التنمية الاقتصادية لم تعد تحفز بالقدر ذاته تزايد الطلب على النفط ولا سيما في غياب زيادة في الرواتب. ودخلت الصين، المصدر الرئيسي لزيادة الطلب على النفط في السنوات الاخيرة، مرحلة من النمو اقل طلبا للنفط".
وقال خبراء مكتب كابيتال ايكونوميكس "نعتقد ان اسعار النفط المتدنية ستدوم".
غير ان هذه المرحلة الجديدة "لن تستمر عشرين عاما" براي رئيس بيلاكو كابيتال الذي أوضح "اننا نرى منذ الآن بوادر المرحلة التالية: مع تراجع الأسعار سنشهد ظاهرة تكيف معاكسة تماما للظاهرة التي نشهدها في مرحلة الارتفاع، أي تباطؤ في الاستثمارات في القدرات الجديدة ثم انتعاش الطلب بفضل أسعار أدنى بكثير".
ويطرح تراجع أسعار النفط مشكلة بالنسبة الى العديد من الدول المنتجة التي تحتاج الى سعر مرتفع من اجل تمويل نفقاتها.
وحذرت الوكالة الدولية للطاقة في تقريرها الشهري الاخير من ان "العديد من الدول المنتجة لديها أسعار توازن للميزانية اعلى بكثير من الأسعار الفعلية للنفط. ومع ان ذلك لا يجعل بالضرورة انتاج النفط غير مربح الا انه يمكن ان ينطوي على آثار سلبية بالنسبة للاستقرار الاجتماعي ويؤثر بالتالي بشكل غير مباشر على افاق الانتاج".
وهكذا تم احتساب الموازنة الإيرانية للسنة الحالية (التي بدأت في آذار(مارس) 2014) على اساس سعر 100 دولار لبرميل النفط، بينما تتراوح الآن أسعار برميل برنت تحت عتبة الثمانين دولارا. وهذا التراجع سيؤثر على الموازنة المقبلة مع "عجز في العائدات النفطية بين 8 و10 %"، بحسب  رئيس اللجنة النيابية للتخطيط والموازنة في إيران غلام رضا تاجكردون.
وفي العراق، فان سعر التوازن قريب ايضا من100 دولار للبرميل. وبحسب وزارة النفط فان "أكثر من 27 % من عائدات الموازنة المتوقعة" لن يتم الحصول عليها في نهاية المطاف بسبب تراجع الاسعار.
وفي روسيا، حيث يشكل النفط نصف عائدات الموازنة، اعلنت موازنة 2015 على اساس توقع سعر 96 دولارا للبرميل. وقدر خبراء الاقتصاد في مصرف "الفا" الروسي مؤخرا ان تراجع سعر برميل النفط بـ 10 دولارات يكلف موازنة روسيا 10 مليارات دولار وما يوازي 0.4 نقاط من النمو لاجمالي الناتج الداخلي.
وفي فنزويلا، اعدت موازنة 2014 على اساس سعر متدن نسبيا لبرميل النفط (60 دولارا) لكن ذلك لن يحول دون تراجع العجز في الموازنة، اذ يقدر عدد كبير من الخبراء ان سعر التوازن في فنزويلا يفوق المئة دولار للبرميل بكثير.
من جهتها، اعدت الاكوادور موازنة العام 2014 على اساس سعر 86.4 دولارا للبرميل. وقال وزير الطاقة السابق رينيه اورتيز ان البلاد بحاجة لسعر 80 دولارا للبرميل لتحقيق التوازن المالي.
وستضطر نيجيريا حيث يشكل النفط 70 % من عائدات البلاد الى مراجعة السعر المرجعي لبرميل النفط لموازنة 2015 من 78 الى 73 دولارا للبرميل.
ومنذ سنوات، تعد الجزائر موازنتها على اساس سعر 37 دولارا للبرميل بحيث يذهب الفائض الى صندوق لتنظيم العائدات يتم من خلاله تمويل العجز وكل البرامج الخاصة للدولة. الا ان خبراء يرون ان الاقتصاد الجزائري مهدد بسعر 80 دولارا للبرميل فقد اعتبر وزير المالية السابق كريم دجودي ان الموازنة بحاجة الى سعر 110 دولارات للبرميل لتحقيق التوازن.
من جهتها، تحدد السعودية وقطر والامارات اسعار توازن اقل من غالبية الدول الاعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) مما يجعلها في موقع اقوى ازاء تراجع طويل الامد لاسعار النفط الخام، بحسب خبراء الاقتصاد في مصرف "كومرتس بنك" في تقرير صدر مؤخرا.-(أ ف ب)

التعليق