الثورة والنضال من أجل الحرية في "العودة إلى حمص" و"حكايات شهرزاد"

تم نشره في الثلاثاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • مشهد من "العودة إلى حمص"- (الغد)

إسراء الردايدة

عمان- الثورة والعنف ضد المرأة والمجتمع والاحتجاجات لرفع الظلم وتحديدا في سورية التي تعاني الأمرين منذ ثلاثة أعوام، قضايا طرحت في إطار عروض مهرجان "كرامة لحقوق الإنسان، الذي يستمر حتى بعد غد الخميس.
ويأتي فيلم "العودة إلى حمص" لمخرجه الكردي طلال ديركي، ليضعنا في قلب المعارك الطاحنة والقصف العنيف وتردي الأوضاع الإنسانية في سورية من خلال فيلمه الوثائقي الذي يعبر حمص راصدا الحياة اليومية فيها.
من خلال تعليقات صوتية للمخرج نفسه طيلة مدة الفيلم، يتطرق لأحداث الثورة في حمص على مدار عامين، لتكون أشبه بيوميات تتبع انطلاقة الثورة الشعبية حتى لحظات تدمير المدينة ومحاصرتها، وسط تركيز على عدد محدود من الشخصيات، وعبر اختيار المخرج لشخصياته التي تقود هذه الذكريات منها لاعب لكرة القدم وعاشق للغناء، والشاب المثقف الذي يختفي بعد إصابته بالقصف العشوائي.
الكاميرا التي تعبر الشوارع المدمرة وركام المنازل عبر فتحات بعض البيوت المتلاصقة، تسير بدون أن تعرف أين وجهتها وكأنها تائهة تبحث عن معالم في ذاكرة المخرج لتظهر سعيها وراء الحقائق بدون البحث عن أي نتائج، وسط كثافة للقطات بدون اللجوء لأرشيف إخباري.
فحمص، كما بدت في فيلم ديركي، أبنية تحولت لأكوام من الصخور والإسمنت، دخان أسود يتصاعد من هنا وهناك وشوارع لا حياة فيها أشبه بمدينة أشباح وسط أخبار يتم تناقلها هنا وهناك.
أما الجانب الناشط في الفيلم، فهي أصوات وصور تجمع الناشطين في تظاهرات سلمية، معالم وجوههم التي يرتسم الحزن عليها وسط تناقض مع صوت الحماس والمطالبة بالحرية تعلوها يافطات "سلمية"، لحماية أنفسهم من أي قذيفة عشوائية تحولهم لأشلاء متناثرة.
صوت السلاح لا يختفي طيلة مشاهد الفيلم والقصف، العنف المخيف من قوات موالية للنظام، فيما يكشف النقاب عن مجزرة الخالدية وأكفان تعلوها رائحة الموت، فيما الكاميرا تنقل صورة الموت هنا وهناك في رحلة تتبع للناشط "أسامة" الحالم بالحرية وسط قسوة الواقع التي لا تنتهي في "العودة الى حمص"، حيث يبحث أسامة عن مخبأ له، فتبدو الكاميرا لاهثة وهي تكشف طريقا لا تعرف له نهاية.
ومع تشوش بعض المشاهد التي تجعل من الرحلة أكثر عمقا وواقعية، يعاود أسامة لقاء عائلته عبر الطرق السرية والأنفاق، في سعي من أجل الحرية برفقة زملائه، وهو يغني للحرية والكرامة.
في فيلم "العودة الى حمص"، الشخصيات المختارة تعد محورا أساسيا، تسير بخط زمني يتصاعد منذ بدء الثورة وحتى لحظات عودة الناشط لحمص لمعاودة نشاطه في المقاومة، بسرد مباشر بدون خيال لكل ما يجري لينقل صور جثث متهاوية وأشلاء متناثرة وبيوت تفجر وتسقط والأنفاس الأخيرة في خطوط النار.
هو ببساطة يلتقط خيارات الحياة والموت، من خلال الشخصيات البسطة التي لا تملك الكثير ليتحول لرصد لوقائع حياة يومية وسط قوة عزم وأمل صعب المنال، فضلا عن قدرته على ردم الفجوات بين الزمن خصوصا فيما يتعلق بالمقاطع الإخبارية التي أذيعت للناس، فكان وسيلة مباشرة شاملة بدون أي تكليف ليتعامل المخرج مع الحدث بعدسة الكاميرا ويتفاعل معه راصدا حيثيات تحول الصراع السلمي لصراع مسلح، جراء القصف والعنف الممارس من قوات النظام الأمني السوري.
أما مخرج الفيلم طلال ديركي، فهو كردي تخرج من معهد ستفراكو للسينما في أثينا. عمل مساعداً لعدد من المخرجين السوريين وكتب الشعر وعمل في الترجمة. له أفلام قصيرة عدة أهمها "رتل كامل من الأشجار" (2004) الذي أثار جدلاً لدى عرضه في إحدى دورات مهرجان دمشق السينمائي.
أما في فيلم "يوميات شهرزاد"، ففيه حكايات لنساء لبنانيات سجينات، مقيدات معنفات، لكنهن في الوقت ذاته أمهات وسيدات، لهن أحلامهن ويمتلكن مشاعر، ويواجهن ظلم المجتمع من جهة والاضطهاد الذكوري من جهة أخرى، لمخرجته زينة دكاش.
ويدور في ثمانين دقيقة، يستعرض روايات وقصصا مختلفة لسجينات في سجن بعبدا اللبناني، ولكل قصة باختلاف جريمتها ارتباط مباشر بعنف أو اضطهاد أو سوء معاملة تعرضت له كل سيدة فيهن.
"مجرمات" ربما في نظر القانون، لكنهن معنفات، مهزوزات متألمات، باحثات عن الحنان والأمان ربما، وحتى عن الأكل، ولكن كلهن سقطن في براثن ذكورية تعاني من أمراض مختلفة، جراء معايير مجتمعية منحته الحق في القيادة والسيطرة على حساب إنسانية كل واحدة منهن.
والفيلم برمته هو امتداد لمسرحية "شهرزاد ببعبدا"، حيث وظفت الدراما كعلاج من قبل المخرجة زينة دكاش، وهي ليست التجربة الأولى، بل سبقتها واحدة في العام 2009 من خلال فيلم "12 لبناني غاضب" في سياق علاج السجناء بالدراما.
تفاصيل الفيلم الذي صور داخل السجن، هي جزء من برنامج لجميعة "كثارسيس"؛ حيث تم تصوير الفيلم داخل سجن بعبدا أثناء وبعد انتهاء مشروع العلاج بالدراما، والمسرحية "شهرزاد ببعبدا" التي اشتغلت عليها المخرجة والمعالجة بالدراما زينة دكاش على مدار عشرة أشهر في العام 2012. ويهدف برنامج "العلاج بالدراما" إلى حماية الإنسان وإعادة الاعتبار لكرامته المهدورة، ودمج السجينات في المجتمع.
القصص الواقعية التي طرحتها سجينة في سجن بعبدا، تعكس ذلك الظلم والقهر والاضطهاد الذي عانته بسبب زوج، أب وحتى حبيب، لينتهي بها المطاف لأن ترتكب جريمة قتل أو تصبح مدمنة مخدرات وحتى تعاقب وتسجن ظلما أو تدخل في علاقات محرمة.
نساء يرين في أنفسهن مجرمات منذ اللحظة التي ولدن بها، بسبب نظرة المجتمع لهن وتجريمهن؛ حيث اشتغلت دكاش على ملاحقة قضايا المرأة في المجتمع اللبناني والقضايا التي تصنف بقضايا المرأة في المجتمع الذكوري.
ويعكس العمل بكل صدق قصصا يصادفها الفرد بحياته اليومية وكأنها حدث عادي مثل زواج الفتاة بسن 12 عاما لتقع في علاقة غير متكافئة في زواج لا تعرف فيه ماذا تفعل ولا تعي ماذا يحدث معها، وحين تنال نصيبها من الضرب وتتجه للسلطات لا تجد حماية، ليكون الحل أمامها هو الهروب للشارع.
واللافت للنظر أن من أبرز أسباب اعتقال هؤلاء النسوة هو قتل الزوج، إدمان المخدرات، الهرب من ظلم الزوج بعد ضربه لها، وفي كل حكاية تكشف كل واحدة منهن ندمها وحلمها بحياة طبيعية، وفي الوقت ذاته لومها لوالديها في المرتبة الأولى ولمجتمع جعل منها مجرمة بعد أن كان هو من أجرم بحقها، خصوصا فيما يتعلق بالعنف الأسري.
والجميل بالفيلم هو الروح التي حملتها هؤلاء السجينات، فهن في نهاية المطاف أمهات ولكل واحدة منهن طفل تتمنى أن تحضنه، وبعضهن موقوفات بدون أن يتم البت في قضيتهن؛ حيث أطلقن العنان من خلال العلاج بالدراما لكل مشاعرهن بصدق بعيدا عن التصنع مطالبات بالمساواة.
الفيلم يترك في المخيلة واقعا لا يمكن نسيانه، ويكمن في الحساسية من البنية الذكورية، والحاجة لمراجعة كل القوانين المكتوبة وحتى تلك التي ترتبط بالمجتمع نفسه وممارساته التي منحت الذكورة سطوة منذ الأزلية.
فالعمل يجول في كواليس السجن بكاميرات وتمرينات تشهد تساقط دموع، وغضبا وضحكات، من خلال أجواء تعكس الثقة والألفة التي اكتسبتها دكاش لتسقط كل الحواجز النفسية وتسقط الأقنعة عن كل سجينة، لتجد وراءها شخصا مختلفا تماما، كان ليكون فردا إيجابيا وذا تأثير كبير للمجتمع لو منحت له فرصة بدون أن تتعرض السجينات لذلك العنف والظلم.
وشكل العمل في الحقيقة وسيطا بين السجينات والجمهور، لتقريبه من معاناتهن مع أرشفة شهادات حية ومصارحات أشبه ببوح واقعي، يعكس تلك الحاجة للنظر في كل مجتمع ووضع القوانين اللازمة التي تحد من أي عنف يمارس ضد المرأة ويحميها من بلوغ حد الجريمة.

israa.alhamad@alghad.jo

@Israalradaydeh

التعليق