محمد برهومة

كيف تمكن "داعش" من نبش ذلك؟

تم نشره في الجمعة 19 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:05 صباحاً

يمكن القول إن فشل وإفشال الثورات العربية، كان محصلتهما تنظيم "داعش" وأخواته. ويمكن الاتفاق مع كلام راشد الغنوشي بأن من يزرع الاستبداد يحصد "داعش". هذا مدخل أساسي لقراءة وتفكيك هذه الظاهرة. لكن المشهد لا يكتمل إذا تم إغفال سؤال جوهري ملخصه: كيف تمكن "داعش" من النبش في موارد  التطرف والتشدد الفكري والاجتماعي القائمة أصلا في مجتمعاتنا وثقافتنا؟
الثورات العربية قامت من دون أن يسبقها حراك ثقافي واجتماعي يحرر المجتمعات، ويوعّيها بحقوقها وبقيمة الإنسان والمساواة والحريات؛ أي كان يُعوّل على الثورات أن تنتج ذلك. لكنها، أي الثورات، لم تكن محصلة لتصاعد هذا الحراك الفكري والاجتماعي واكتماله وتراكمه ونضوجه. لم تؤسس الثورات بنية مؤسسية ديمقراطية، ولو في السياق النظري، متفقا عليها، تكون بديلة عن المؤسسات النظامية القائمة الموسومة بالفساد والاستبداد.
اليوم، يُسأل سُنّة العراق عن رأيهم في "داعش"، وثمة تردد واختلاف بينهم بخصوص ما إذا كانت هناك ضمانات فعلية بأن محاربتهم للتنظيم ستمنحهم نصيبا عادلا في المشاركة في تشكيل مستقبل بلدهم، أم أن السياسات الإقصائية والطائفية التي أرساها نوري المالكي ستعود مجددا وتطاردهم لسنوات من دون أن يكون لهم "سوط" يلوحون به، ولو كان على نمط "داعش"، أي متطرف وطائفي ولا إنساني؟
طيلة حكم المالكي، لم يتمكن رئيس الوزراء السابق من أن يجعل السُنّة في بلاد الرافدين جزءا من النظام الذي أعقب سقوط نظام صدام حسين. لكنّ أبغض ما قد يواجهه سُنّة العراق أن يتم تخييرهم بين ربطهم بالإرهاب أو الخشية من إسقاط ما لديهم من عناصر ضغط تدعو لوقف سياسات الإقصاء والتهميش بحقهم.
الإشكال الكبير هو أن الحرب الإقليمية والدولية على إرهاب "داعش" ستحدد، على الأغلب، المستقبل السياسي لسُنّة العراق، وهي ستختلف عن تجربة الجنرال ديفيد بترايوس العام 2007 فيما عرف بـ"الصحوات".
التساؤل الذي يتجاوز العراق وسورية هو: كيف أمكن لتنظيم "الدولة الإسلامية" أن يقوّي في كثير من فئات مجتمعاتنا العربية والمسلمة (خاصة في الدول الغربية)، ما أضعفته المدنية والتحضر والعلم والاختلاط وروح العصر فينا؛ أي التوحش والتشدد والافتقار إلى الجرأة في حسم كثير من المسائل التي تريد أن تؤبّد الماضي وتوقف التاريخ وتعطل حركة الحياة والاجتماع؟
خيار "داعش" كارثة على سُنّة العراق. ولهذا، فقد سمع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في جولته العربية، كلاما من المسؤولين العرب عن المقابل الذي سيقدمه لسُنّة العراق ولدول الجوار ودول الخليج الذين يحاربون "داعش"؛ لأن الفشل العراقي في تقديم هذه الطمأنة، والفشل في إنزالها على أرض الواقع عدالةً ومشاركة سياسية غير منقوصة، سيجددان الدماء في عروق "داعش" لفترة أطول، وسنكون أمام إعادة تجربة حركة "طالبان" مع "البشتون"، التي تحتكر اليوم، بالإكراه، تمثيلهم اجتماعيا وسياسيا برغم إبعادها عن الحكم منذ سنوات.

التعليق