داخل التاريخ.. خارج التاريخ

تم نشره في السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:03 صباحاً


تمر في هذه الأيام الذكرى الرابعة لتلك المقدمات المفاجئة التي وقعت في محافظة سيدي بوزيد في الداخل التونسي، وأفضت إلى وقوع ثورات "الربيع العربي" في تونس ومصر واليمن وليبيا وسورية، بصورة غيّرت ليس فقط الشكل السياسي للعالم العربي، وإنما أيضاً ما كان محسوماً حتى عشية تلك الأحداث؛ بأن العرب باتوا أمة خارج التاريخ، أي خارج الفعل والتأثير والحضور. ذلك أن تلك الثورات أظهرت العرب أمة داخل التاريخ، وقادرة على صناعته والتأثير فيه.
ثمة هذه الأيام خيبات أمل مما انتهت إليه تلك الثورات؛ سواء من إحلالها الفوضى محل النظام المستبد، أو إتاحتها عودة النظام المستبد إلى مقاعده السابقة ولكن بوجوه جديدة. وهي خيبات أمل تعيد طرح ذلك التساؤل القديم: هل العرب أمة داخل التاريخ أم خارجه؟ وهل يكفي اندلاع الثورات للاستدلال على أن العرب قادرون على الفعل التاريخي، أو لا بد من الأخذ بالاعتبار مآلات تلك الثورات؛ فإن أفضت إلى تغيير مفيد استحق العرب أن يصنّفوا داخل التاريخ، وإن لم تفض إلى ذلك المفيد، ظل طبيعياً اعتبار العرب خارج التاريخ؟ بخاصة أن ثورات "الربيع" التي وقعت في أماكن أخرى من العالم خلال العقدين الأخيرين، مثل أوروبا الشرقية، نجحت فعلاً في إحداث تغيير مفيد لشعوبها بشكل وضعهم داخل الحضور التاريخي.
الدخول في التاريخ، كما يعرفه العالم اليوم، لا يعني إحراز التنمية والتطور الصناعي والعسكري والمالي وحسب، بل تزامن ذلك وترافقه مع إقامة "الدولة المدنية والمجتمع الديمقراطي". بل لعل أشكال التقدم المادية لا يمكن أن تكون عميقة ومقيمة، من دون إحراز التقدم الإنساني والسياسي والاجتماعي الذي يأخذ شكل "الدولة المدنية والمجتمع الديمقراطي"، كلياً أو نسبياً.
الدولة المدنية هي دولة جميع مواطنيها، الذين تتحدد علاقتهم بها وعلاقاتهم فيما بينهم عبر ثنائية القانون والمؤسسات؛ فيتساوون في الحقوق والواجبات وفق القانون، ويتكافأون في الفرص عبر الأطر المؤسسية التي لا تتحيز لأحد على أحد على أساس أصله أو دينه أوعرقه، وإنما تُفاضل بين الناس على أساس كفاءاتهم.
أما المجتمع الديمقراطي، فهو مجتمع التعددية الذي يحترم اختلافات الناس وتنوع خياراتهم الحياتية، وتالياً تعدد وجهات نظرهم ومواقفهم تجاه القضايا العامة؛ فلا يسعى إلى تنميط الناس وفرض مفاهيم ثقافية شمولية عليهم. إنه مجتمع الثقافة المدنية القائمة على خيارات الفرد، لا الثقافة الأبوية القائمة على "العادة والإكراه".
لا يمكن أن تكون ثورات "الربيع العربي" ناجعة بالصورة التي تضع العرب داخل التاريخ، من دون أن تثمر ممارسة حقيقية لمفاهيم "الدولة المدنية والمجتمع الديمقراطي"، التي بها يحوز المواطن الفرد قيمته وأهميته، ويكون إنساناً فاعلاً يتجاوز "عقدة التهميش" المفروضة عليه من قبل ثنائية الدولة الأبوية والمجتمع النمطي ذي النماذج الجاهزة. وهي الثنائية التي سيطرت على العالم العربي قبل "الربيع العربي"، وما تزال تواصل السيطرة عليه من دون أن يفعل "الربيع العربي" مفاعيل "الربيع" بها، حتى الآن!
أما وجه الضرورة في أنّ تخليص الشعوب من التهميش هو أولوية مفاعيل "الربيع" إن وجدت، فلا يكمن في أنه (التهميش) يهمل طاقات أفراد المجتمع ويضعف الاستفادة منها وحسب، بل يكمن كذلك في انعكاسه السلبي على سلوك هؤلاء الأفراد فيما بينهم، لأنهم يسعون بسبب شعورهم بالتهميش، إلى إثبات أنفسهم وجدارتهم في محيطهم الاجتماعي الضيق، فينطبع سلوكهم تجاه أقرانهم وشركائهم في الوطن والمجتمع بالعنف المادي والمعنوي، ما يشقّ المجتمعات، فلا تكون عندها مجتمعات راضية ومخلصة لأوطانها.
وعلى هذا، تكون إقامة "الدولة المدنية والمجتمع الديمقراطي" طريقاً ضرورية لحصول الأمم على حياة أفضل، تلج بفعلها داخل التاريخ المعاصر. ولن يكون "الربيع" ربيعاً ما لم يفضِ إلى النتيجة هذه.

التعليق