كيف يتم نزع التطرف من الإرهابيين السابقين؟

تم نشره في الخميس 25 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • مقاتل في تنظيم "الدولة الإسلامية" - (أرشيفية)

جون هورغان – (ذا ويك)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

15/12/2014

"الأقدام أولاً". هذه هي الطريقة الوحيدة للخروج من المجموعة الإرهابية، كما قال أحد القادة الإرهابيين لمجنديه. ويبدو هذا منطقياً. إن السماح للأعضاء بمجرد المغادرة ببساطة لن يكون جيداً لصورة المجموعة.
مع ذلك -وفي الوقت نفسه الذي تعرض فيه "الدولة الإسلامية" جهادييها الأوروبيين في أشرطة الفيديو المرعبة لعمليات قطع الرؤوس، وتستمر في التجنيد بقوة من كل أنحاء العالم- فإن الإرهابيين يفكون ارتباطهم معها كل الوقت. بعضهم يختفون بهدوء، وآخرون يظهرون على الملأ، ويحكون قصصهم على شاشات التلفزة أو يروونها في السير الذاتية. وهم يعتنقون هويتهم الجديدة، إرهابي "سابق"، من أجل تحذير الآخرين من مخاطر التورط.
كما أصبحنا نعرف عن الإرهابيين السابقين أيضاً من خلال صعود ما يسمى "برامج اجتثاث التطرف". وقد قمت على مدى العقد الماضي بدراسة الكيفيات والأسباب التي تدعو الإرهابيين إلى مغادرة تنظيماتهم، كما فحصت عن كثب تلك البرامج التي تهدف إلى المساعدة على تسهيل ذلك الانتقال.
نزع التطرف: كيف يعمل
كان واحد من آخر الجهود في هذا الإطار هو الذي أطلقه عمال الإغاثة الاجتماعيين وعلماء النفس في الدنمارك في وقت سابق من هذا العام. وهدفهم أن يعيدوا بنجاح إدماج الجهاديين الدنماركيين الذين كانوا قد غادروا قبل بضع سنوات ليحملوا السلاح ضد النظام السوري، والذين يريدون الآن أن يعودوا إلى الوطن.
ينضم الدنماركيون إلى جهود مماثلة تُبذل في جميع أنحاء العالم. ومن الصعب معرفة عدد البرامج القائمة لاجتثاث التطرف. وهناك ما لا يقل عن 15 برنامجاً معروفة علناً، من المملكة العربية السعودية إلى سنغافورة، لكن هناك احتمالا لوجود ضعف هذا العدد في الحقيقة. ويجيء بعض هذه البرامج من بنات أفكار أفراد يحاولون أن يحدثوا فرقاً في إدارة مجموعة من السجناء الإرهابيين، في حين يشكل البعض الآخر مبادرات أوسع نطاقاً، ممولة تمويلاً جيداً (عادة من الحكومات) والتي تدعو صحفيين وأكاديميين إلى القدوم والقيام بجولة -بل ويمكنك حتى تجتمع وتدردش مع مشاركين "نموذجيين". وفي واحدة من أول زياراتي إلى مرفق اجتثاث التطرف، وراءاً في آذار (مارس) 2008، دعيت إلى الجلوس وتناول العشاء مع عدد من أعضاء تنظيم القاعدة الذين يخضعون لإعادة التأهيل، ومنهم، كما تم التأكيد لي، أولئك الذين أتوا إلى هناك طوعاً.
على السطح، تبدو هذه الجهود واعدة. فبعد كل شيء، من هو الذي لن يدعم نهجاً لمكافحة الإرهاب، والذي لا تقتصر فعاليته على مسألة التكلفة فقط (حيث إنه أرخص بكثير من الاحتجاز إلى أجل غير مسمى)، وإنما لا يعتمد على التعذيب أو مجرد إغلاق الباب على السجين ورمي المفتاح إلى الأبد؟ وهناك بعض البرامج التي تدّعي علناً بأنها شكلت نجاحاً هائلاً. ويتفاخر برنامج عمره عقد في المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، بأنه ضمن انخفاض معدل العودة إلى التطرف -بحوالي 10-20 في المائة.
لكننا ما نزال لا نعرف حقاً ما إذا كان هذا أو أي برنامج مماثل يفعل في الواقع ما يدعيه. أو، بدقة أكثر، نحن لا نعرف ما إذا تم الحد من خطر إعادة الانخراط في الإرهاب نتيجة للمشاركة لأشهر عدة في برنامج (وإذا كان الأمر كذلك، فكيف حدث)، أو بسبب شيء آخر.
الحد من مخاطر إعادة
 الانخراط في الإرهاب
رغم تفرق البيانات، فإننا نعلم أن الناس الذين يغادرون ويضعون الإرهاب خلف ظهورهم تكون فرصة إعادة انخراطهم منخفضة إحصائياً. والسؤال هو: لماذا؟ وإذا كان عدد كبير من المرشحين لبرامج نزع التطرف مصابين سلفاً بخيبة أمل عميقة من منظماتهم، فهل يكون برنامج يركز على تغيير الكيفية التي يفكرون بها هو المسؤول حقاً عن جعلهم "آمنين"؟
تتقاسم كل البرامج هدفاً واحداً -تقليل خطر إعادة الانخراط. لكنها تختلف في كيفية تحقيق ذلك. في بعض الأحيان، تساعد هذه البرامج على توفير فرص ملموسة -التدريب المهني وفرص العمل- التي يمكن بها للتائب بناء حياة جديدة. ومع ذلك، وفقط في أيلول (سبتمبر) الماضي، نادى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بالإشراك القسري للجهاديين العائدين في مخططات اجتثاث التطرف للمساعدة على ضمان الالتزام بـ"القيم البريطانية". وهناك آخرون، بمن فيهم علماء النفس، ممن يقولون إننا ينبغي أن نركز على "تغيير وجهة النظر". هذا هو ما يتعين علينا القيام به، كما يقول كثيرون، بحيث يمكننا أن نكون على يقين من أنهم لن يعودوا أبداً.
يبدو هذا معقولاً، لكنها ليست هناك حتى الآن أدلة مقنعة لدعم هذه الحجة. اسألوا معظم علماء النفس، وسوف يقولون لكم إن المواقف والسلوك يتطابقان بقدر بائس حقاً، حتى في أفضل الظروف. والحقيقة هي أن هناك أدلة لا تكاد تُذكر على أن الناس يظلون بعيدين عن الإرهاب لأنه يكون قد تم تعليمهم أن "يفكروا بطريقة مختلفة" حيال شرعية وجهات نظرهم.
ربما يجري ترديد الإيديولوجية أو العقيدة الدينية (المكتسبة نتيجة للمشاركة في برنامج لإعادة التأثيل) بين الناس الذين لا يعودون إلى الإرهاب، لكن جعل الإرهابيين السابقين يفعلون ذلك لا يجعل بقيتنا أكثر معرفة بالسبب الذي يدفعهم إلى عدم معاودة الانخراط.
من المثير للدهشة أن عدداً من البرامج التي رأيتها مباشرة لا تولي اهتماماً بتجارب الناس كأعضاء في مجموعاتهم الإرهابية. فكيف يمكننا أن نقيم بفعالية مدى خطر معادوة الانخراط في الإرهاب إذا لم نفهم معنى الانخراط بالنسبة للشخص المعني؟
زودوهم بوظيفة
يبدو أن البرنامج الدنماركي يركز على إعادة الإدماج –مزوداً الجهاديين العائدين المؤهلين بالمساعدة في العثور على مسكن، وعمل، وتعليم. وربما يكون ذلك أكثر براغماتية بكثير من "اجتثاث التطرف" في حد ذاته.
لا تعطي البرامج الأكثر خبرة وتأسيساً، مثل مبادرة "شعاع الفجر" الباكستانية، الأولوية لتغيير الطريقة التي يفكر بها الناس. ويقول القائمون على تلك المبادرة إن امتلاك وظيفة حقيقية -ومكان يذهب إليه المرء كل يوم- ربما تكون آلية وقائية لتجنب إعادة الانخراط، أفضل من أي إعادة تشبيك داخلي للدماغ.
في البرامج الفعالة، تكون الأولوية الرئيسة هي تخمين ما يمكن أن تعنيه إعادة الإدماج ذات المعنى. وكما أوصت محللة بريطانية للشؤون الأمنية مؤخراً، فإن ملاحظة الفروقات البسيطة ضرورية. سوف تختلف احتياجات وتحديات إعادة الإدماج من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر. هل هو مجتمع يرجح –على سبيل المثال- أن يرحب بعودة إرهابي سابق؟ ما هو تأثير الوضع الأمني السائد في المنطقة المخصوصة؟
كنت قد رأيت حالات بقي فيها إرهابي سابق في الاحتجاز الطوعي لأن عائلته تنتظر في الخارج لكي تعيد إرساله مباشرة إلى أحضان المتشددين. وفي بعض الأحيان، يمكن أن يكون قد تم اجتثاث التطرف من المرء فعلاً، ولكن ذلك لا يجعل خطر معاودة انخراطه منخفضاً بالضرورة.
بعض البرامج الأكثر طموحاً -بما في ذلك تلك الموجودة في باكستان وسنغافورة والتي تدير المحتجزين أو المساجين من الإرهابيين السابقين- تعترف بأنه ليس ما يحدث في السجن فقط هو المهم. إن ما يهم أكثر هو ما يحدث بمجرد أن يخطو الشخص إلى خارج السجن. سوف تكون "القيم" المكتسبة التي أصبحت الآن موجودة في رأس الشخص أقل أهمية بكثير من تعزيز الروابط الاجتماعية التي إما أنها ستبقي على الشخص في مجتمعه، أو أنها ستسحبه –إذا قُطعت- وتعيده إلى التطرف العنيف.
إن أكثر برامج اجتثاث التطرف فعالية هي التي تخدم كنوع من منزل في منتصف الطريق بالنسبة للمتطرفين السابقين. إنها تساعد السجناء على الاستعداد لمواجهة تحديات إعادة إدراج أنفسهم في الحياة اليومية. وتماماً مثل المجرمين العاديين، يتم تدريب السجناء على مراقبة ما بعد الإفراج ويعلمون أنهم ربما سيظلون دائماً تحت شيء من خطر إعادة الانخراط. وعادة ما يكون الهدف الرئيس لمثل هذه البرامج هو زيادة تنبه ذهن الفرد لهذه المخاطر كشكل من الوقاية على المدى الأبعد ضد إعادة الانخراط.
تظل الرحلة إلى داخل الإرهاب والخروج منه شخصية بقدر ما هي معقدة. وما تزال برامج اجتثاث الإرهاب تقدم بعضاً من أكثر الأساليب إبداعاً لمكافحة الإرهاب. ويمكن لها أن تكون قوى فعالة في تقليل صفوف الأعضاء من المستوى الأدنى للمجموعات الإرهابية. لكننا إذا لم نخض نقاشاً مخلصاً حول الأسباب والكيفيات التي تعمل بها، فإن مستقبلها سيكون في خطر.
مع الإشاعات التي تدور عن استكشاف المئات من أعضاء "داعش" السابقين المحبطين لإمكانية العودة إلى أوطانهم، فإننا نبدو متخلفين في الوراء في الحقيقة. إننا نحتاج إلى تفكير واضح لدعم هذه البرامج وتقييمها. وفي غياب الشفافية والتوقعات الأكثر وضوحاً، فإن الأمر سيتطلب فشلاً واحداً عالي المستوى فقط (هل سيصمد أي برنامج إذا قام أحد خريجيه بتفجير قنبلة انتحارية في مكان أقرب إلى الوطن؟) لكي تضيع الإمكانات التي تنطوي عليها هذه البرامج، مرة وإلى الأبد.

ala.zeineh@alghad.jo

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
What makes a terrorist stop being a terrorist?

التعليق