التسلسل الزمني التاريخي لأسواق النفط إعادة النظر في أسعار النفط

تم نشره في الأحد 28 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً

عمان -الغد - لم يكن الهبوط الأخير في أسعار النفط إلى ما دون الحاجز النفسي عند 60 دولارا في أوائل كانون الأول (ديسمبر)، بخسارة أكثر من 40 % من سعره السائد في حزيران (يونيو) 2014، مفاجئا لأنه جاء ليتوج عدة عوامل - ليس أقلها - ضعف الطلب في الدول المستهلكة الكبرى، إلى جانب إشباع في العرض نتيجة في المقام الأول لما يسمى ثورة الطاقة الصخرية في الولايات المتحدة الأميركية.
على هذه الخلفية، فشل أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط، أوبك، في التصرف عندما اجتمعت في مقرها في العاصمة النمساوية، فيينا، وعلى الرغم من المحاولات الهائلة من قبل ما يسمى بالصقور لتغيير الإنتاج، أصرت الدول القوية في أوبك، بقيادة المملكة العربية السعودية ونظيراتها الخليجية، على الحفاظ على الإنتاج للحفاظ على الوضع الراهن، ليستمروا في إنتاج 30 مليون برميل يومياً خشية أنها قد تفقد حصتها في السوق لصالح منتجين من خارج أوبك، ولاسيما حصتها في الأسواق الآسيوية ومشاريعها المدرة للدخل، واختارت بدلا من ذلك أن تترك الأمور إلى قوى السوق.
هذه ليست المرة الأولى - ولن تكون المرة الأخيرة - التي تتقلب فيها أسعار النفط بهذه الدرجة بحسب التاريخ، ومن ضمن هذه الأحداث التاريخية التي تستحق الذكر ما يلي:
(1) الحظر النفطي العربي للعام 1973
كان أسعار ما قبل العام 1973 قرابة 3.6 دولار للبرميل الواحد، أي الحقبة التي عاشت محاولات للشركات الأخوات السبع (اكسون وموبيل وشيفرون والخليج وتكساكو وشركة شل وبي بي) تحديد سعر الوقود الأحفوري من خلال تنسيق جماعي لكمية العرض وبالتالي تستقر الأسواق معظم الوقت. ولكن تغيرت الأسعار رأسا على عقب مع الحظر النفطي العربي العام 1973 في ضوء من حرب 6 تشرين الأول (أكتوبر) عند استخدمت العرب - في سابقة تاريخية - بنجاح سلاح النفط في حربها ضد إسرائيل. تضمنت الإجراءات الجزائية أيضاً مقاطعة الصادرات إلى الولايات المتحدة الأميركية (وهولندا) احتجاجاً على الدعم غير المشروط لإسرائيل وشهدت أسعار النفط زيادة بأكثر من ثلاثة أضعاف انتهت عند 12 دولارا للبرميل في العام 1974. تقلب النفط بين 12.5 و14 دولارا للبرميل خلال الفترة 1974-1978 مع إنتاج أوبك نحو 30 مليون برميل يومياً. أدى ارتفاع الأسعار من ناحية أخرى إلى زيادة تدريجية في الدول خارج أوبك المنتجة من 25 مليون برميل يوميا إلى 31 مليون برميل يوميا خلال نفس الفترة، عندما أصبحت الحقول الهامشية ذات جدوى مع ارتفاع الأسعار السائدة في تلك الفترة.
(2) الحرب العراقية الإيرانية
مع إطاحة الثورة الإسلامية في إيران بالشاه، كافحت إيران للمحافظة على مستوى إنتاج ما قبل الشاه عند مستوى ستة ملايين برميل يومياً عندما انهار القانون والنظام مما أدى إلى محو مليوني برميل من النفط يومياً. استمرار الاتجاه التصاعدي للأسعار عند 25 دولارا للبرميل، وكانت أعلى قيمة اسمية للبرميل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
اندلاع القتال بين العراق وإيران في صيف العام 1980 أشار بداية لحرب طويلة دامت ثماني سنوات وتسببت في الكثير من الأضرار المادية لمنشآت النفط في البلدين المتحاربين. نتيجة لذلك، تم حرمان السوق من ما يقارب مليون برميل يوميا. ما يسمى بحرب الخليج الأولى أدى إلى زيادات مجدداً في الأسعار إلى أن بلغت ذروتها عند 37 دولارا للبرميل في نهاية العام 1981.
(3) سنوات سوء إدارة أوبك
انخفضت أسعار النفط بشكل كبير خلال الفترة 1982 إلى 1985 نتيجة لأوبك: الخطأ وقع نتيجة سوء إدارة العرض وجشع أعضائها في محاولات منهم لتعظيم انتفاعهم. أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تدمير الطلب والتحول نحو الحفاظ على الطاقة وتعزيز وسائل الطاقة البديلة. شهدت الفترة أيضا قمة في الإنتاج في نفط بحر الشمال مدعومة بارتفاع الأسعار والتي كانت حتى ذلك الحين تعتبر مكلفة للإنتاج. هبطت الأسعار من مستوى 35 دولارا للبرميل في العام 1981 إلى 31 دولارا للبرميل في العام 1982، واستمرت في الهبوط إلى 29 دولارا في العام 1983، و28 دولارا في العام 1984، و26 دولارا في العام 1985. ووصلت الأسعار إلى أدنى مستوى لها في العام 1986 عند 14 دولارا للبرميل.
سوء إدارة أوبك والتباطؤ في الطلب والزيادات الإضافية في المنتجين من خارج أوبك خفضت حصة أوبك في السوق إلى نصف مستوى إنتاجها من 30 مليون برميل يوميا. لوضع حد لانخفاض الأسعار حاولت "أوبك" فرض نظام الحصص دون جدوى للدفاع عن عتبة سعر 18 دولارا. كان الدور الجديد الذي لعبته المملكة العربية السعودية كمنتج متحرك أدى إلى انخفاض إنتاجها إلى 2 مليون برميل يوميا انتهى في منتصف العام 1986، في إقالة مفاجئة لوزير البترول السعودي الشيخ أحمد زكي يماني.
(4) الانهيار الكبير العام 1986
بعد أن أوقفت دورها كمنتج متحرك، بدأت المملكة العربية السعودية بالدفاع عن حصتها في السوق. وحذت العديد من البلدان الأعضاء حذوها. وقامت المملكة العربية السعودية، "كصانع ملك"، بعرض خصومات هائلة لعملائها بالإضافة إلى زيادة كبيرة في الإنتاج لإغراق السوق بإمدادات ضخمة في الوقت الذي كانت فيها الدول الصناعية أعضاء منظمة التعاون والتنمية تترنح تحت نتيجة للركود. انخفضت الأسعار بحدة إلى مستوى أقل من 10 دولارات للبرميل. مع أواخر العام 1986، قررت أوبك الدفاع عن سعر 18 دولارا للبرميل ووافقت على خفض الإنتاج اليومي من 17 مليون برميل إلى 15.8 مليون برميل. تذبذبت الأسعار حول مستوى 18 دولارا للبرميل في الفترة ما بين  1987 و1989. أدى العدوان العراقي على الكويت في 2 آب (أغسطس) 1990 إلى ارتفاع في الأسعار وصل إلى 23 دولارا للبرميل، التوقف الكامل لإنتاج النفط في البلدين يقدر في ذلك الوقت ضمن محيط 5 ملايين برميل يومياً.
(5) الأزمة المالية الآسيوية للعام 1997
 تأرجحت أسعار النفط حول 20 دولارا للبرميل على الأقل خلال النصف الأول من التسعينيات؛ ومع ذلك، فإن الأزمة المالية الآسيوية في العام 1997 قادت الأسواق إلى التهاوي. تزامن ذلك مع قرار سيئ من أوبك التي اجتمعت في العاصمة الاندونيسية، جاكرتا، بزيادة سقف إنتاجها غافلة للركود الاقتصادي الذي يجتاح ما يسمى بالنمور الآسيوية، مما أدى إلى انهيار الطلب الذي تزامن مع عودة صادرات النفط العراقي إلى السوق تحت رعاية الأمم المتحدة، في ما يسمى برنامج النفط مقابل الغذاء، وهو قرار تندم عليه الدول الأعضاء إلى اليوم. أدت تلك العوامل إلى هاوية غير مسبوقة، مع هبوط سعر البرنت ليصل إلى الحضيض عند أقل من 10 دولارات. تعلم أوبك بالطريقة الصعبة عندما أدى الانخفاض في الأسعار إلى تعهد بين الأعضاء للالتزام بحصص الإنتاج المخصصة لكل منها، وأدى إلى تفاهم بين منتجي النفط خارج أوبك وخاصة النرويج والمكسيك لتنسيق سياساتها، من ناحية أخرى. ذلك وغيره أدى إلى زيادة تدريجية في الأسعار إلى 16 دولارا للبرميل في العام 1999، ومطلع القرن الواحد والعشرين استقرت عند حوالي 27 دولارا للبرميل.
(6) الأزمة الاقتصادية العالمية
شهدت الفترة بين 2000 و2008 زيادة غير مسبوقة في الطلب تقودها شهية نهمة تجاه منتجات النفط في الاقتصادات الناشئة وعلى رأسها الصين والهند، الأمر الذي فاجأ أوبك. عدم وجود إمدادات كافية أدى إلى زيادة في الأسعار التي وصلت إلى مستوى تاريخي عند 147 دولاراً في صيف العام 2008. ولكن، مع بداية الأزمة المالية في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، هبطت الأسعار إلى أقل من 40 دولارا مع نهاية العام 2008. وبدلا من الجلوس، التقت الدول الأعضاء في "أوبك" في مدينة وهران الجزائرية واتخذت قراراً تاريخياً بخفض الإنتاج بمقدار 4.2 مليون برميل يوميا. كان للخطوة تأثير فوري على الأسواق العالمية مع عودة أسعار النفط الخام إلى العتبة السابقة عند 100 دولار للبرميل.
(7) الربيع العربي
الاضطرابات السياسية التي اجتاحت عددا من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المعروف باسم الربيع العربي تسببت بعدة اضطرابات في السوق مع الاعتقاد السائد بعدم إمكانية ضمان أمن الإمدادات وحرية الحركة النفط الخام، ولاسيما بعد إغلاق حقول النفط الليبية وحرمان الأسواق من 1.6 مليون برميل يوميا من النفط الخام (الخفيف) ذي الجودة العالية.
فرض المزيد من العقوبات على إيران أدى أيضاً إلى محو مليون برميل أخرى مع خطر إغلاق مضيق هرمز يلوح في الأفق. تلك العوامل الجيوسياسية - إلى جانب ارتفاع الطلب من قبل - أبقت الأسعار فوق حاجز 100 دولار للبرميل.
وفي الختام، الدروس التاريخية - كما يتبين من أحداث 40 سنة مضت - تؤكد ما يقوله العديد من المطلعين على النفط أنه - كما غيره من السلع - يخضع لدورة أعمال يبلغ ذروتها ثم ينخفض إلى أدنى مستوياته قبل أن يتعافى. نحن الآن في المرحلة الأخيرة مع وصول سعر الخام إلى 60 دولارا، قبل أن يتعافى ويصل إلى 70 دولارا خلال النصف الثاني من العام 2015، مع الإشارة إلى النمو القوي في الاقتصاد الأميركي وانتعاش تدريجي في الإنتاج الصناعي في الصين، وهي كلها تطورات ستترجم إلى زيادة في الطلب ووضع حد للتخمة في العروض، مما سيؤدي إلى توازن أسواق النفط العالمية.

التعليق