في البحث عن هوية قومية: العراقيون يلتفون حول أعلام مختلفة

تم نشره في الأحد 28 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • جنود أكراد يحملون أعلام إقليم كردستان في أربيل – (أرشيفية)

تيم أرانكو — (النيويورك تايمز) 2014/12/22

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

عند نقاط التفتيش في كامل أنحاء بغداد، تجاهل الجنود أمراً صدر أخيراً عن رئيس الوزراء، والذي يقضي بإزالة الأعلام الدينية الشيعية واستبدالها بالأعلام العراقية. وفي مدارس مدينة كركوك الشمالية، رفع طلبة الأعلام الكردية. وفي البصرة، المدينة الميناء الجنوبية، صمَّم مواطنون غاضبون علمهم الخاص، وعليه صورة قطرة نفط واحدة.
 ثم، هناك بالطبع الرايات السود لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، المجموعة المتطرفة التي تسيطر على نحو ثلث البلد.
ربما لم يحدث، منذ أن خلق العراق الحديث قبل حوالي القرن عن طريق وضم ثلاث محافظات عثمانية- البصرة وبغداد والموصل-، أن تحدت هذه الكثرة من الناس فكرة العراق كدولة موحدة.
 وحتى بينما تتعثر خطى الحكومة في طريق إلحاق الهزيمة بالمتشددين في الدولة الإسلامية، فإنها تواجه تحدياً كامناً قد يكون أقسى: تعزيز إحساس جديد بالهوية القومية، والتي حتى لو لم تستطع التسامي على الخلافات بين السنة والشيعة والعرب والأكراد، فإنها تستطيع على الأقل الجمع بينهم كأبناء وطن.
في الأثناء، دعا بعض المسؤولين إلى إعادة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية، اعتقاداً منهم بأنها ستجلب المجتمعات معا. واقترح آخرون تشجيع الزواج المختلط بين السنة والشيعة من خلال تقديم محفزات نقدية. وما يزال آخرون يقولون إن ترويج عراق ما قبل العصر الإسلامي كمهد للحضارة، يمكن أن يقدم شيئاً يستطيع العراقيون من خلاله بناء درجة ما من الوحدة الوطنية.
 يشهد تلفزيون الدولة زخماً مبالغاً فيه في الدعاية، حيث هناك أعمال درامية تصور انتصارات تحققت في ميادين القتال، والتي توجت برفع العلم العراقي– في شريط سينمائي مضاد للقصة الحقيقية على أرض الواقع، حيث تشير الأعلام التابعة لمليشيات مختلفة إلى تآكل نفوذ الدولة.
تقول فيبي مار، المؤرخة المرموقة للعراق الحديث: "إن موضوع الهوية- الحصول على هوية يستطيع كل العراقيين الموافقة عليها بحيث تستديم الدولة- هو أمر جدي. إن هذا هو كفاح من أجل رؤية جديدة للعراق."
وهو بكل المقاييس نضال في تصادم مع وقائع الحياة هنا، بينما تصبح المجتمعات أكثر عزلة كل عن الآخر. وقد وضع الشاعر العراقي المشهور، إيهاب المالكي، كل مواهبه في خدمة المشروع الوطني في ظهور له على التلفزيون، أحياناً بالزي العسكري حاملاً بندقية، وهو يلقي القصائد الوطنية. وقال إن هدفه هو استخدام قصائده "لتعزيز الوحدة الوطنية وتقريب وجهات النظر، والدعوة إلى التعايش السلمي ونبذ العنف بين المجتمعات".
بسبب ذلك تلقى عدة تهديدات بالقتل. وجاء أحد هذه التهديدات في رسالة نصية تقول: "أنت كلب شيعي وزنديق، ونحن نقسم بالله أننا سنبقر بطنك ونلقي بك للكلاب. أنت لا تستحق الحياة وسوف نطاردك".
في مرسوم جديد، أمر رئيس الوزراء حيدر العبادي القوات المسلحة بعدم رفع رايات شيعية دينية ورايات مليشيات. ولطالما أثارت هذه الرايات قلق الأقلية السنية التي كانت تحكم العراق قبل الغزو الأميركي. وقد لقيت خطوة السيد العبادي الإطراء من جانب ممثل العراق لدى الأمم المتحدة، في كلمة ألقاها في نيويورك، معتبراً إياها خطوة أولى "في مبادرة أوسع لاستعادة الثقة بين المجتمعات العراقية". لكن المشكلة ما تزال تكمن في أنه لم يتم إنزال الرايات الشيعية عن سواريها، ومن غير المرجح أن يتم إنزالها.
عند نقطة التفتيش الخاصة بالشخصيات المهمة الخاصة في المنطقة الخضراء التي تعتبر جيب الحكومة في بغداد، شرح جندي مؤخراً أنه عندما تم إصدار الأمر الخاص بالأعلام، آثر الناس دينهم على قائدهم العام. ولم تكن هناك أي أعلام عراقية في نقطة التفتيش، باستثناء الأعلام السوداء والخضراء للإمام الحسين (نجل رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب) الشهيد المبجل لدى الشيعة.
يقول موفق الربيعي، مستشار الأمن القومي العراقي السابق: "لقد سادت الهويات الثانوية- الثقافية والدينية والإثنية. لقد ذهبنا جميعنا إلى زوايانا الضيقة. وعلى مدار العقد الماضي، كنا نبحث عن هوية جديدة".
تجدر الإشارة إلى أن النضال من أجل هوية وطنية ظل قائماً منذ تأسيس البلد الحديث بعد الحرب العالمية الأولى، وقد تحدى كل سلطات العراق، من الملوك إلى الدكتاتوريين فالمحتلين.
في ظل العثمانيين كانت الهوية الأولى ببساطة هي أن تكون مسلماً. وبعد تولي البريطانيين زمام الأمور ولعقود تلت بعد ذلك، وحدت أيديولوجية القومية العربية "التوق الشديد والملح لدولة أكبر"، وفق كلمات السيدة مار، العديد من القادة العراقيين.
لاحقاً، حكم صدام حسين وحزبه "البعث" بقبضة حديدية، والتي لم تسمح بأي عقيدة سوى الطاعة. ولبرهة من الوقت في السبعينيات والثمانينيات (من القرن الماضي) أعطت طبقة متوسطة متزايدة مستفيدة من الدولة- ناهيك عن ذكر الحرب بين العراق وإيران- بعض النشوء للوحدة والنزعة الوطنية، كما قالت السيدة مار. وأضافت السيدة مار أنه عندما غزا الأميركيون (العراق)، كان الغزو بالنسبة للمجتمع العراقي "مثل غطاء طنجرة ضغط يفلت".
كانت السيدة مار قد زارت العراق لأول مرة في العام 1957 من أجل إجراء بحث لأطروحة تخرجها. ثم داومت على زيارة البلد ودراسته منذئذ. وفي العام 1982، نشرت أول نسخة من كتابها الذي يحظى بتقييم عال "التاريخ الحديث للعراق" الذي يؤرخ للقرن الماضي العاصف في البلد، بما في ذلك نصف دزينة من الانقلابات، وخلع الملوك والعديد من الحروب. وقالت إن أيا من تلك التطورات لم يهدد وحدة الدولة كما تفعل الأزمة الراهنة. وأشارت السيدة مار التي تعكف حالياً على وضع نسخة جديدة من الكتاب إلى أنه "لم يخطر لي على بال عندما كتبت هذا الكتاب أن أتساءل؛ عما إذا كان العراق سيبقى متماسكاً؟".
ثمة قلة تتوقع أن العراق سيتفكك رسمياً في وقت قريب. لكن هناك العديدون ممن بدأوا يتحدثون فجأة عن احتمال من هذا القبيل– وهو الموضوع الذي كان منذ وقت طويل موضوع مؤسسات فكرية غربية، لكنه أصبح باطراد موضوع حوارات في دور المقاهي وغرف المعيشة عند العراقيين العاديين، كما وفي صالونات ومكاتب النافذين.
يقول أركان حسين، الرجل السني البالغ من العمر 28 عاماً والذي يعيش بالقرب من تكريت، حيث تسيطر الدولة الإسلامية على أجزاء ضخمة منها: "إننا لا نشعر بأن لدينا بلداً سيدافع عنا ويحمينا ويحبنا... لقد نسي كل واحد منا بلده وبدأ التفكير في قبيلته وطائفته".
على نحو مشابه، قالت وفاء محمد، المرأة الشيعية من جنوبي العراق: "بالنسبة للهوية الوطنية، لا أحد يبكي من أجل العراق. كل واحد يبكي من أجل طائفته أو ملته، ونادراً ما تجد شخصاً يبكي من أجل العراق".
بعد أن سيطر البريطانيون على بلاد ما بين النهرين وحاولوا تأطيرها في دولة- أمة حديثة تدعى العراق، كانت الدبلوماسية غيرتيود بيل، التي كان قد عهد إليها برسم حدود البلد، قد زارت مزارعاً مرموقاً في بغداد وقائداً محلياً للاستماع لنصحه حول الكيفية التي يمكن لها من خلالها نسج العديد من الإثنيات والملل في العراق في بوتقة واحدة. وللتحضير لزيارة الآنسة بيل - كما عرفت عند العديد من العراقيين- توقف المزارع عن تغذية ديوكه. وعندما جاءت، وضع الديوك الجائعة معاً في قفص، فكانت النتيجة فوضى دموية.
التفت المزارع عندها إلى الآنسة بيل، كما يسرد القصة أحد أحفاده، مثنى اللامي، وقال: "لقد حكمنا العثمانيون 400 عام وعانينا في ظل حكمهم. ونحن نرجوكم مساعدة العراقيين وأن لا تجعلوهم يتقاتلون مثل هذه الديوك".
لاحقاً، وبعد أكثر من عقد، كتب الملك الذي ساعدته الآنسة بيل في تولي السلطة، فيصل الأول، قائلاً: "بقلب يعتصره الحزن، يجب أن أقول أنه لا يوجد أي شعب عراقي في داخل العراق. هناك فقط مجموعات متضادة لا تتوافر على أحاسيس وطنية. إنهم مليئون بالخرافات والأعراف الدينية الزائفة، من دون وجود أرضيات عامة مشتركة بينهم".
واليوم، ما يزال من الممكن قول نفس الشيء إلى حد كبير. وإذا تحقق أي شيء، فهو أن العديد من العراقيين يقولون أن الوحدة هي شيء للمستقبل البعيد جداً جداً. ويقول عمار أحمد، 42 عاماً من تكريت: "لا يمكن للمصالحة أن تتم الآن، وإنما بعد عقود من الآن، وربما تستطيع الأجيال التالية نسيان ما حدث مع كل حمام الدم هذا".
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
In Struggle for National Identity, Iraqis Rally Around Many Flags

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق