يحتاج الغرب إلى أكثر من "الفارس الأبيض" لهزيمة "داعش"

تم نشره في السبت 3 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً
  • عناصر من بقايا الجيش العراقي - (أرشيفية)

باتريك كوبيرن – (الإندبندنت)

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

28/12/2014
هناك مشهد في رواية لويس كارول "عبر المرآة"، حيث تلتقي أليس بـ"الفارس الأبيض" الذي يرتدي درعاً كاملاً ويركب حصاناً ويسقط عن ظهره باستمرار. وتعرب أليس عن فضولها إزاء وضعه خلخالاً معدنياً على سيقان حصانه، مباشرة فوق الحوافر، فيفسر الفارس: "للوقاية من عضات أسماك القرش". ثم يريها بكل فخر أجهزة بارعة أخرى مثبتة عليه وعلى حصانه.
تلاحظ أليس أن لدى الفارس مصيدة فئران مثبتة على سرجه، فتقول له: "كنت أتساءل عن السبب في وجود مصيدة الفئران. ليس من المرجح كثيراً أن تكون هناك أي فئران على ظهر الحصان". فيقول الفارس: "ربما لا يكون ذلك مرجحاً كثيراً. لكنها في حال أتت فعلاً، فإننى لا أفضل أن أراها وهي تتراكض في كل مكان". من الجيد "أن يكون المرء جاهزاً لكل شيء". وبينما يشرح الفارس خططه لمواجهة هذه المخاطر المفترضة، يستمر الفارس في التعثر والوقوع عن ظهر حصانه.
نهج "الفارس الأبيض" في هذه "المشتريات العسكرية" مشابه جداً لذلك الذي تنتهجه المؤسسات العسكرية الأميركية والبريطانية. إنها تستنزف ميزانياتها لشراء معدات باهظة الثمن إلى حد كبير، لمواجهة تهديدات ربما لا توجد أبداً، على نحو يشبه كثيراً أسماك القرش والفئران التي تهدد صديق أليس. هكذا ينفق البنتاغون 200 مليار دولار (نحو 257 مليار جنيه إسترليني) على تطوير الطائرة المقاتلة F-35 (تقوم بريطانيا بشراء طائرات بكلفة 100 مليون جنيه أسترليني لكل واحدة)، من أجل تحقيق التفوق الجوي على روسيا والصين في حال وقوع حرب مع أي من القوتين.
وفي الوقت نفسه، يتم إهمال المعدات اللازمة لخوض الحروب الحقيقية، على الرغم من أنه لم يتم العثور على أي إجابة للتعامل مع فتك الأسلحة القديمة، مثل العبوات الناسفة البدائية التي تسببت في وقوع ثلثي ضحايا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.
ثمة عنصر غريب في الحروب في أفغانستان والعراق، هو ظهور القليل جداً من الانتقاد لفشل الجيوش الغربية المجهزة بتكلفة كبيرة في إلحاق الهزيمة بالمتمردين المسلحين تسليحاً خفيفاً والذين دربوا أنفسهم بأنفسهم. ويقف هذا الواقع في تناقض حاد مع ما أعقب فشل الجيش الأميركي في كسب الحرب في فيتنام في الستينيات والسبعينيات. وينطوي السؤال على أكثر من مجرد الأهمية التاريخية، لأن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والحلفاء الآخرين يعاودون الدخول مجدداً في الحروب الجارية في العراق وسورية، في إطار سعيهم إلى "إضعاف وتدمير (داعش) في نهاية المطاف".
ربما لا يتم إلقاء اللوم على كاهل الجيش في عدم النجاح في العراق وأفغانستان، لأنه ينظر إلى الفشل هناك على أنه سياسي أكثر من كونه عسكرياً. وهناك بعض الحقيقة في هذا، ولكن من الصحيح أيضاً أن قادة الجيش كانوا بارعين في تجنب تحمل مسؤولية ما حدث من الأخطاء. وقد سألني دبلوماسي أميركي رفيع المستوى بسخط في بغداد قبل خمس أو ست سنوات: "ما الذي حدث لذلك الإيمان الصحي الذي تكون لدى الرأي العام الأميركي بعد فيتنام، بحيث أصبح جنرالاتنا نادراً ما يقولون الحقيقة الآن؟"
لقد شهد العراق هذا العام فشلاً أوسع نطاقاً وأكثر بشاعة من مجرد عدم القدرة على التعامل مع العبوات الناسفة البدائية. فقد أنشأت الولايات المتحدة الجيش العراقي ودربته بكلفة كبيرة، ولكنه هُزم هذا الصيف على يد قوة أصغر وأقل تسليحاً بكثير، والمكونة من المتمردين بقيادة "داعش". كان ذلك واحداً من أكثر الأحداث مدعاة للخزي في التاريخ، حيث تخلى قادة الجيش العراقي عن رجالهم، وقفزوا إلى المروحيات وهربوا. ويعترف رئيس الوزراء العراقي الجديد، حيدر العبادي، بأن 50.000 من "الجنود الأشباح" لم يُوجدوا أبداً في الجيش العراق ، وكانت رواتبهم تتحول عن طريق الاحتيال إلى جيوب ضباطهم.
قامت الولايات المتحدة ببناء الجيش العراقي والشرطة العراقية، نحو 350.000 جندي ونحو 650.000 من رجال الشرطة، بتكلفة بلغت 26 مليار دولار منذ العام 2003، وفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن المحقق الأميركي الخاص في شؤون إعادة إعمار العراق. وهو وثيقة رائعة تتطلب إجابات لأسئلة كثيرة، مثل كيف تم إنفاق 9.4 مليار دولار على تدريب وتوظيف وتزويد الشرطة العراقية، على الرغم من أن هذه القوة معروفة بفسادها وعدم كفاءتها. وقد ذهبت 3.4 مليار دولار أخرى في إطار تزويد الجيش العراقي بالدبابات والطائرات والقوارب وناقلات الجند المدرعة ومعدات أخرى، فقط لتستولي "داعش" على الكثير منها في وقت لاحق. وبطريقة غريبة، تمكنت "داعش" من العثور فوراً على أطقم للدبابات ورجال للمدفعية من دون أي برامج تدريبية طويلة ومكلفة.
سوف يعكس الجنود الأميركيون الثلاثة آلاف الذين أرسلهم الرئيس أوباما مرة أخرى إلى العراق على تدريب الأولوية الستة والعشرين المتبقية من الجيش العراقي من جديد، من دون أن يسأل أحد عما حدث خطأ بين العامين 2003 و2014: لماذا يحدث أن يتمكن مجندو "داعش" من القتال بفعالية بعد أسبوعين من التدريب العسكري وأسبوعين من التعليم الديني، في حين أن الجيش العراقي لا يستطيع؟ ربما لحقيقة أن كونهم مدربين على يد أجانب يفقدهم الشرعية أمام أنفسهم، وفي عيون مواطنيهم.
يتخذ تجدد التدخل العسكري الأجنبي في العراق وسورية في المقام الأول شكل غارات جوية، والتي شُن منها أكثر من 1.000 منذ بدأ القصف في العراق يوم 8 آب (أغسطس). ولعل اللافت في هذه الأرقام هو أنه قد تم شن عدد قليل جداً من الغارات هذه المرة، بالمقارنة مع الضربات الجوية التي بلغ عددها 48.224 خلال 43 يوماً من القصف ضد جيش صدام حسين في العام 1991. وأحد الأسباب هو أن "داعش" هي قوة حرب عصابات والتي يمكن أن تكون مشتتة، ولذلك تنتهي نحو 10 في المائة فقط من طلعات الطيران بتوجيه ضربات جوية حقاً ضد أهداف على الأرض.
فقط في الهجمات التي يشنها ضد قوات "داعش" التي تحاصر البلدة السورية الكردية كوباني في شمال سورية، يتمكن سلاح الجو الأميركي من إلحاق خسائر فادحة. ويبقى السبب في مواصلة "داعش" خوض معركة تكون فيها أكثر عرضة للقوة الجوية غير واضح حتى الآن، ولكن السبب المحتمل هو أنها تريد أن تثبت كونها قادرة على تحقيق انتصار آخر باستلهام الإيمان، على الرغم من الهجمات الجوية الثقيلة.
في أكثر من 10 أعوام من الحرب في العراق وسورية وأفغانستان، كان المتمردون، وليس القائمون على السياسة والمشتريات العسكرية الغربية، هم الذين تمكنوا من تطوير المزيج الأكثر فعالية من التكتيكات العسكرية وأساليب الهجوم التي تناسب الظروف المحلية. ويشمل هذا المزيج أنواعاً مختلفة من العبوات الناسفة البدائية المزودة بالشراك الخداعية التي تجعل من تلك المناطق القليلة التي تستعاد من "داعش" خطيرة على الجنود، وغير صالحة للسكن بالنسبة للمدنيين.
لقد حولت "داعش" التفجيرات الانتحارية التي يقوم بتنفيذها أفراد أو عن طريق سيارات محملة بالمتفجرات إلى جزء لا يتجزأ من ذخيرتها القتالية، والتي تمكنها من تحقيق استخدام مدمر للمتطوعين الأجانب غير المدربين، وإنما المتعصبين. وتقوم "داعش" باستخدام القناصة وفرق الهاون المدربة تدريباً جيداً، ولكن سلاحها الأكثر فعالية هو الدعاية الإرهابية التي تروجها من خلال نشر فظائعها عبر شبكة الإنترنت.
ولكن، وعلى الرغم من بشاعة هذه التكتيكات، فإنها تبدو أكثر فعالية بكثير من أي شيء طورته الجيوش الغربية في هذه الصراعات نفسها. ولعل الأسوأ من ذلك هو أن التدريب الغربي يحفز شهية حلفائهم لامتلاك طائرات الهليكوبتر والدبابات والمدفعية التي تحقق نجاحاً محدوداً فقط في الظروف العراقية، على الرغم من أن للقصف تأثيرا ملموسا في منع "داعش" من استخدام نظام طرق جيد لتنفيذ الهجمات التي تشنها بواسطة عدة مئات من المقاتلين في قوافل من "البكبات" والشاحنات وعربات الهمفي المغنومة.
في حين أن "داعش" ربما تعاني المزيد من الخسائر والإصابات، فإنها ما تزال في وضع يمكنها من تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين من السكان الذين تحت سيطرتها، والذين لا يقل عددهم عن خمسة أو ستة ملايين نسمة. وبعد ستة أشهر منذ إعلان "الدولة الإسلامية"، فإن تلك الدولة لم تصبح أصغر. وفي المقابل، وكما هو الحال مع "الفارس الأبيض"، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يتخذون التدابير اللازمة لمحاربة عدوهم الحقيقي.
ala.zeineh@alghad.jo

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: War with Isis: Despite billions spent on weapons, the US has not been able to counter the militants' gruesome tactics

التعليق