أسباب هبوط أسعار النفط : رؤية جديدة

تم نشره في الثلاثاء 13 كانون الثاني / يناير 2015. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 13 كانون الثاني / يناير 2015. 11:52 صباحاً

لهب عطاالله عبد الوهاب *

فقدت أسعار النفط ؛كما هو معلوم ؛ (خام برنت وخام متوسط غرب تكساس WTI) أكثر من 60 % من قيمتها منذ حزيران(يونيو) الماضي حين كان سعر التداول اليومي للبرميل يعادل 115 دولارا.
ووصل سعر البرميل أخيرا إلى ما دون 49 دولارا وذلك بعد فترة استقرار ناهزت خمس سنوات (حين استقر السعر عند نطاق 90-100 دولار للبرميل والذي كان ينظر إليه في حينه باعتباره السعر العادل Just Price يلبي رغبات كافة الأفرقاء في السوق النفطي).
وفي ظل هذه المعطيات أبقت منظمة الأقطار المصدرة للبترول، أوبك، في اجتماعها الذي انعقد في العاصمة النمساوية فيينا يوم 27 تشرين الثاني(نوفمبر) الماضي أبقت على سقف انتاجها البالغ 30 مليون برميل يوميا أو ما يعادل 40 % من الإنتاج العالمي دون تغيير ما زاد الطين بلة؛ إذ هوت الأسعار إلى مستويات قياسية مخفضة لم تشهدها من قبل تذكرنا بأسعار النفط إبان حقبة "الامتيازات" حيث كان لما يعرف بـ " الأخوات السبع" القول الفصل في التسعير.
بيد أن التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة، هو لماذا هذا الهبوط الحاد في الأسعار الآن؟ للإجابة عن هذا التساؤل نقول؛ إن سعر البرميل يحدده جزئياً مستوى العرض والطلب السائدان في السوق، كما تلعب التوقعات Expectations دوراً لا يقل أهمية في ذلك، في المقابل يرتبط الطلب على الطاقة بشكل كبير بالنشاط الاقتصادي وهو يزداد عادة في فصل الشتاء في نصف الكرة الغربي وفي فصل الصيف في الدول التي تعتمد على المكيفات كما هو حاصل في أغلب دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA.
أما المعروض – الإمدادات – فقد يتأثر بالمناخ – الذي يحد من قدرة الناقلات على التحميل – بالإضافة إلى القلاقل الجيوسياسية.
ولغرض تلمس المسار المستقبلي للأسعار فإن خريطة الطريق "الافتراضي"   Virtual العالمي تتمحور حول عوامل أربعة هي:
أولا : الإنكماش في الطلب العالمي نظرا لتراجع النشاط الاقتصادي المعبر عنه بالنمو في الناتج المحلي الإجمالي GDPحيث خفض صندوق النقد الدولي IMF من توقعاته إلى 3.4 %  العام 2015م.
ثانيا : الإضطرابات التي تعصف في كل من العراق حيث يبسط تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام المعروف اختصارا بـ "داعش" نفوذه على أكثر من ثلث مساحة العراق ويسيطر على عدد من الحقول النفطية والمصافي بما فيها مصفاة بيجي أكبر مصافي البلاد وبطاقة تصل إلى 300 ألف برميل والتي تدور حولها معارك كر وفر طاحنة.
أما في ليبيا فإن مرافقها النفطية تطالها عمليات تخريبية من قبل الأجنحة المتناحرة فيها.
يذكر أن إنتاج البلدان معا يصل إلى 4 ملايين برميل يومياً.
ثالثا : ثورة الوقود الصخري Shale Energy في الولايات المتحدة والذي جعل منها المنتج الأكبر للنفط في العالم.
 وبالرغم من أن القوانين الأميركية النافذة منذ العام 1974 – بعد الخطر النفطي العربي إبان حرب أكتوبر العام 1973 – لا تجيز لها تصدير النفط الخام إلا أنها تستورد اليوم كميات أقل جداً وهو ما أفضى إلى إيجاد طاقة إنتاجية فائضة Spare Capacity كبيرة في السوق.
رابعا : أما العامل الرابع  والأخير فمرده التحول في السياسات النفطية لدول الخليج العربية والذي تقوده المملكة العربية السعودية صاحبة الاحتياطي النفطي المؤكد الأكبر عالميا مما كان يعرف في السابق بلعب دور "المنتج المرجح" Swing Producer من خلال التحكم بالإنتاج بالزيادة أو النقصان بما يحقق التوازن المنشود إلى سياسة قائمة على المحافظة على حصتها في الأسواقMarket Share، إذ تخشى من أن يؤدي أي تغيير في الإنتاج إلى فقدان حصتها السوقية لصالح دول منتجة أخرى خارج أوبك مثل روسيا والمكسيك والنرويج والبرازيل وبالتالي خسارة عدد كبير من عملائها لاسيما في السوق الآسيوية الواعدة (الصين والهند وكوريا) وبمقدور الدول الخليجية تحمل وطأة الانخفاض في الأسعار على المدى القصير لما تراكم لديها من احتياطيات نقدية أجنبية في بنوكها المركزية وصناديق الثروة السيادية تبلغ أكثر من 1.3  ترليون دولار منها 750 مليار دولار لدى السعودية وحدها، هذا ناهيك عن أن تكلفة الإنتاج فيها تتراوح بين 5-6 دولارات للبرميل مقابل أكثر من 20 دولارا للبرميل تكلفة انتاج البئر في دول نفطية أخرى.
أما إذا استمر الانخفاض لفترة طويلة وهبط إلى مستويات تعيدنا إلى ثمانينيات القرن الماضي (20-22 دولارا) حينئذ سيكون لكل حادث حديث.

*خبير في قطاع الطاقة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقالة رائعة (مقداد الخطيب)

    الثلاثاء 13 كانون الثاني / يناير 2015.
    شكرا للاستاذ لهب لهذه المقالة الرائعة.
    الا يفترض بالدول العربية المنتجة للنفط الانتباه الى التهديديات المحتملة لاحادية الموارد واعتماد اقتصاد هذه الدول على مصدر مهدد، ليس فقط سعريا وانما تكاليفه البيئية التي قد تجعل من تكاليف انتاجه اعلى من قيمته التسويقية في ظل اجراءات دولية محتملة تدعم مفهوم "الملوث يجب ان يدفع" !!!!!