الوضوح الاستراتيجي مطلوب في التعامل مع كوريا الشمالية

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً
  • صاروخ باليستي محمول من ترسانة كوريا الشمالية - (أرشيفية)

كريستوفر هِل*

دنفر – في الفترة الأخيرة، توجهت كل الأنظار إلى القدرات السيبرانية المزعومة المكتشفة حديثاً في كوريا الشمالية. لكنْ إذا كان الهجوم الأخير على أجهزة الكمبيوتر في سوني بيكتشرز قد نشأ من هناك حقاً، كما يزعم مسؤولون في الولايات المتحدة، فهل كان ذلك عملاً من أعمال التخريب، أو التدمير، أو الإرهاب، أو إذا أردنا استخدام الكلمة المفضلة لدى المحافظين الجدد (وخاصة أثناء موسم الأعياد)، هل كان ذلك عملاً من أعمال الحرب؟
أياً كان مدى واقعية أو صدق الادعاء الأميركي (الذي يثير بعض الشكوك)، فإن سجل حقوق الإنسان في كوريا الشمالية كان أيضاً موضوعاً للتدقيق المتجدد -وعن استحقاق. وإذا كان هذا التطور قد يقودنا إلى أي مكان -أو على وجه التحديد إحالة كوريا الشمالية إلى المحكمة الجنائية الدولية- فإن الأمر يتوقف على القرارات التي يتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ولأن الصين وروسيا -وهما من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والتي يحق لها استخدام حق النقض "الفيتو"- تعارضان التحرك في مثل هذه الأمور، فربما لا تبلغ المناقشة هذا الحد. ولكن في أقل تقدير، وعلى حد تعبير سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة سامانتا باور، "تلقي هذه المناقشة الضوء" على "سجل حقوق الإنسان المروع" في كوريا الشمالية، وعلى الحاجة إلى بعض المحاسبة لذلك السجل.
الحق أن البلدان في مختلف أنحاء العالم تفلت من العقاب رغم سجلاتها السيئة في مجال حقوق الإنسان. وبعضها يفلت من العقاب بأفعال مثل الهجمات الإلكترونية عبر الحدود. بل إن قِلة من البلدان تفلت من العقاب على أفعال مثل إدارة برامج نووية. ولكن نادراً ما تمارس أي دولة كل هذه الأفعال مجتمعة، كما تفعل كوريا الشمالية بكل وضوح.
ولكن الزمن يتغير، وكل من زار الصين في الآونة الأخيرة يعلم أنه حتى إذا قرر الصينيون في نهاية المطاف -ولأسبابهم الخاصة- منع إحالة كوريا الشمالية إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإنهم ضاقوا ذرعاً بسلوك الدولة الوكيلة لهم. ففي جزء من العالم حيث تعتمد السياسة بشكل كبير على الرموز، لم توجه الصين الدعوة لزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون لزيارة بكين منذ تولى السطلة في العام 2012، ويبدو من غير المرجح أن تفعل ذلك في أي وقت قريب.
التفسير الرسمي المعلن لهذا الإهمال من قِبَل الصين هو أن الوقت غير مناسب -ومن الواضح أن هذا المبرر قابل للتأويل والتغيير. لكنه يبدو في الوقت الحاضر أن مجافاة الصين لكيم تحولت إلى عقيدة راسخة.
عندما تولى كيم السلطة، سارع إلى التهديد بالدخول في حرب مع الولايات المتحدة، فظهر وهو يقف مع جنرالاته تحت خريطة عرضت عدداً من الصواريخ الموجهة إلى أميركا الشمالية. وفي نهاية المطاف استقر كيم على طريقة أخرى لإثبات زعامته: فقد ألقى القبض على عمه (وهو يد الصين في النظام) في أحد اجتماعات الحزب، وحكم عليه بالإعدام. وأياً كانت التحديات التي تواجههم، فإن قادة الصين يدركون أنهم لا يستطيعون الاعتماد على "الجنرال الشاب".
الواقع أن الدوافع التي تحرك الصين في التعامل مع كوريا الشمالية بالغة التعقيد. ولكن القضايا العديدة التي تنطوي عليها العلاقات الثنائية لا تخلو من مفارقة تاريخية. فالصين تعتبر إصلاح العلاقات مع جيرانها في جنوب شرق آسيا، والتي تضررت بفعل النزاعات الإقليمية، ذات أولوية أعلى. وهذه العملية جارية الآن بالفعل، حيث تبدي الصين حالياً الرغبة في معالجة هذه النزاعات في إطار جهود متعددة الأطراف، من خلال رابطة دول جنوب شرق آسيا. غير أنه سُمح لتوترات مماثلة مع اليابان بأن تتفاقم، ولن يعود هذا بالنفع على أي من الجانبين.
ولكن مشكلة كوريا الشمالية مختلفة. فعلى افتراض أن قادة الصين يدركون أن علاقتهم بواحد من أسوأ الأنظمة الحاكمة في العالم لن تعزز هدفهم المتمثل في المشاركة العالمية، فينبغي للولايات المتحدة أن تنظر في كيفية التأثير على السياسة الصينية.
في كثير من الأحيان، تعالج الصين والولايات المتحدة قضية كوريا الشمالية بطريقة نمطية، حيث تعلن الصين أنها "تدعم الحوار"، في حين تحث الولايات المتحدة الصين على القيام بالمزيد، من دون تحديد لطبيعة ذلك المزيد. وبالنسبة للولايات المتحدة، لا بد أن يكون الهدف الآن إقناع الصينيين بإعطاء مسألة ردع سلوك كوريا الشمالية المارق أولوية أعلى. وهذا يعني التواصل مع الصينيين بقدر أكبر من الوضوح بشأن موقع كوريا الشمالية ضمن أولويات الصين.
على وجه الخصوص، ينبغي للصين أن تتعرف على الكيفية التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى الترتيبات بشأن شبه جزيرة كوريا في المستقبل. فمن بين كافة مخاوف الصين بشأن كوريا الشمالية، يُعَد احتمال انهيار النظام هناك أكثرها خطورة -والذي ربما يتبعه فشل الدولة- والذي قد يُنظَر إليه باعتباره هزيمة للصين وانتصاراً للولايات المتحدة، مع إعادة توحيد شطري كوريا كجزء من نظام التحالف الأميركي. والواقع أن تبادل الأفكار العميقة بشأن هذه القضية قد يكون الوسيلة الأفضل لتشجيع التعاون، والأهم من ذلك، العمل على إنشاء عقيدة "اللامفاجأة". فكثيراً ما يناقش الصينيون اليوم وبشكل متكرر سياسة "علاقات الدولة الكبرى"، والترتيبات التي تكفل المكسب للجميع. ويتعين على الولايات المتحدة أن تعمل معهم على بلورة هذا المفهوم.
علاوة على ذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تشجع تحسين العلاقات بين الصين وكوريا الجنوبية. فمن المعتقد على نطاق واسع في المنطقة أن الولايات المتحدة لن يرضيها توثيق مثل هذه العلاقات، وكأن تزايد حضور الصين في مستقبل كوريا الجنوبية يعني تضاؤل الحضور الأميركي. الواقع أن في المجال متسعاً للجميع، وكلما جاء شعور الصين بالارتياح في علاقتها بكوريا الجنوبية باعتبارها جارة مباشرة أسرع، كلما كان ذلك أفضل للجميع.
الواقع أن مسائل مثل هوليود، وحقوق الإنسان، والأمن السيبراني ليست بالقضايا التي تشعر الصين بالارتياح في تناولها بشكل خاص. ولكن تراكم مثل هذه القضايا يشهد على الحاجة إلى إيجاد قنوات أفضل للتعاون الصيني الأميركي بشأن كوريا الشمالية. وأياً كان ما تقصده إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بعبارة "الصبر الاستراتيجي"، فلعله كان أكثر مما ينبغي في السنوات الأخيرة. والآن حان الوقت لإعادة الارتباط الاستراتيجي بالصين. ولا شك أن كوريا الشمالية ليست بالمشكلة التي قد تحل نفسها من تلقاء نفسها.
*مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركي لشؤون شرق آسيا، كان سفير أميركا إلى العراق، وكوريا الجنوبية، ومقدونيا، وبولندا، ومبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة إلى كوسوفو، ومفاوضا في اتفاقيات دايتون للسلام، ومفاوضا أميركيا رفيعا مع كوريا الشمالية من 2205-2009. وهو الآن عميد كلية كوربل للدراسات الدولية، جامعة دينفر.
*خاص بالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق