عيسى الشعيبي

استعادات من تحت العباءة البيضاء

تم نشره في الجمعة 16 كانون الثاني / يناير 2015. 01:04 صباحاً

كم يبدو ذلك الزمن بعيداً، حين يسترجع المرء بعضاً من الصور الغائرة عميقاً في تلافيف الذاكرة، عن أيام المواسم الثلجية المبهجة؛ أي عندما كان البياض الناصع يحل ضيفاً خفيف الظل، يغمر النفوس والبيوت والطرقات الضيقة بالسكينة، يتلكأ قليلاً، ثم ينصرف معززاً مكرماً، من دون أن يتبرم منه الناس الطيبون، أو يلقوا عليه تبعات اضطراب حياتهم الاعتيادية ليوم واحد، وربما ليومين على الأكثر.
نستعيد إلى الذهن تلك الأيام الخوالي من زمن الدهشة والبساطة، وتلك المشاهد المليئة بالدفء الاجتماعي بين الأسر الممتدة، وجيران الحارة المتكافلة، ونترحم عليها وعلى أصحابها، الأحياء منهم والأموات، حين نقارن ذلك العهد الوادع الجميل، بأيامه البيضاء القليلة ولياليه الظلماء الطويلة، بما آلت إليه حالنا اليوم، عندما يأتي الثلج مختالاً متبختراً، وكأنه طامة كبرى مفاجئة، أو قل جائحة، تستدعي التحوط، وتبعث الذعر على كل الصعد، بل وعلى أعلى المستويات.
على العكس مما كان عليه موسم الثلج القصير فيما مضى، إذ كان يحل بلا ضجيج، ويمضي كأن شيئاً لم يكن، صار حضور هذا الزائر الكريم في وقتنا الراهن، رمزاً للاضطراب والتعطل والانقطاع، ومناسبة للشراء والانفعال وتخزين مواد الغذاء، إلى الحد الذي تبدو فيه الأوضاع تحت العباءة البيضاء وكأنها تعد بالويل والثبور وعظائم الأمور! تقف بنا على شفير أزمة تمسك بخناق الجميع من كل الفئات والطبقات، وتدعو إلى النفير العام؛ بالتحفز والاستنفار الكامل من جانب أرباب الأسر والأجهزة العامة والإدارات الحكومية والبلديات!
يبدو من الواضح من دون مراء، أننا قد تغيرنا كثيرا بين الأمس البعيد وبين اليوم؛ صار المجتمع الذي كان خشناً، متماسكا، وقليل المتطلبات، مجتمعاً ليّناً مترفاً، وسريع العطب عند كل طارئ، يهوّل على نفسه، يتحسب بشدة، ويخشى على نمط حياته إزاء أدنى المتغيرات، فما بالك وقد بدا الإعلام في زمن انفجار ثورة المعرفة والاتصالات كمن لديه قرون استشعار، قادراً على ضخ ما لا يحصى من الصور والتنبؤات والأخبار، فوراً ومن عين المكان، وهو ما لم يكن متاحاً في سالف العصر والزمان.
كنا في ذلك الزمن الجميل لا نحفل كثيراً بالتوقعات الجوية، ولا نأخذها على محمل الجد في أكثر الأحيان، إن لم نكن نهزأ بها في قرارة أنفسنا، ونتندر على الراصدين الجويين الذين يدّعون كشف الغيب وما يخبئه المستقبل. أما اليوم، ومع تقدم المعرفة بالأنواء الجوية، والتي باتت علماً قائماً بحد ذاته، فقد صرنا أكثر إصغاء للتنبؤات، وبتنا أشد يقيناً مما كنا عليه من قبل، إزاء توقعات الراصدين عن أحوال اليوم والأيام التالية، الأمر الذي زاد في فرط الحساسية العامة والتيقظ إزاء التحولات المناخية، في الصيف والشتاء معاً.
بكلام آخر، فقد تعقدت الحياة المعاصرة عما كانت عليه سابقاً، إذ غدت أكثر رهافة، وأشد ارتباطاً بتقنيات العصر ومدخلاته الباذخة، ناهيك عن تنوع الاحتياجات، واتساع نطاق الخيارات، وازدياد متطلبات الرفاهية والضروريات الحياتية الحديثة، بما في ذلك وسائل التدفئة والتبريد الجديدة، التي لم تكن متاحة للأكثرية الكاثرة من الناس، ناهيك عن شبكة الاتصالات الإلكترونية وأدوات الترفيه والتسلية، وغير ذلك الكثير من المقتنيات الجديدة التي باتت في متناول الجميع، مع بعض الاستثناءات القليلة.
وعليه، فقد أصبحت أيام موسم الثلج في هذه الآونة، أشد وطأة على النفوس مما كانت عليه فيما مضى من وقت، وغدت أكثر كلفة على غالبية الناس من ذي قبل، وأوسع تأثيراً في نطاق الحياة الخاصة والعامة، قياساً بما كانت عليه هذه الحياة قبل أن تزدحم بكل هذه المتطلبات والتعقيدات العصرية؛ أي قبل أن يتسع مجال الرؤية لما هو أبعد مدى من حدود الحارة، ويتزايد الاطلاع ومصادر المعرفة الفورية بكل ما يجري في الواقع المحيط من وقائع وأحداث وتطورات. وذلك كله قبل أن ندخل في عصر الصورة والبث الفضائي وإذاعات الـ"إف. إم"، الأمر الذي فاقم علينا، مع الأسف، الإحساس بثقل ظل هذا الزائر الأبيض الرهيف.

التعليق