محكمة الجنايات الدولية: خوف لا داعي له

تم نشره في السبت 17 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً

إسرائيل هيوم
يوسي بيلين

16/1/2015

إن موضوع محكمة الجنايات الدولية في لاهاي هو واحد من المفارقات التاريخية الأكثر بروزا. لقد نجح الفلسطينيون في تحويل استخدامها إلى تهديد حقيقي ضد إسرائيل التي من جانبها تقوم بجهود كبيرة لئلا يطلب الفلسطينيون عضويتها، ومن اجل الا يستغلوا عضويتهم فيها لتقديم دعاوى ضد الإسرائيليين. الأميركيون انضموا الينا، وكذلك هم يطلبون من الفلسطينيين أن لا يستخدموا هذه القنبلة النووية، لكن الفلسطينيين من جانبهم، راضين عن نجاحهم في قلب هذا التهديد إلى أداة مهمة في لعبة الشطرنج الاقليمية.
إن من لا يعرفون ما يحدث في ضاحيتنا، يمكن أن يظنوا حقا أننا مقتنعون بأنه ارتكبت من قبل أشخاص من بيننا جرائم فظيعة، لهذا فاننا نخرج عن أطوارنا من اجل الدفاع عن جرائمهم. من هنا يمكن أن نفهم أن الجانب الفلسطيني يعمل حسب الاصول، فهو لا يخرج قيد أنملة عن مواد المحكمة الدولية، لهذا فهو حر في اتهامنا بكل ما يخطر بباله، دون أن يخاف من الملفات التي في أيدينا.
من الصعب أن نفهم كيف تم زجنا في مثل هذه الزاوية البائسة. وهكذا يجدر أن نعرف أنه من وراء اقامة المحكمة الجنائية الدولية التي تتميز بأنها المحكمة الدولية الوحيدة في العالم التي تقاضي الافراد وليس فقط الدول، من وراء اقامتها يقف العقل اليهودي. بعد الحرب العالمية الأولى برزت الافكار لاقامة إطار يتعلق بالمسؤولية الشخصية للقادة السياسيين والعسكريين عن جرائم الحرب.
كان الهدف جعل هؤلاء الافراد يفهمون أنه ليس في استطاعتهم الاختباء خلف المؤسسات (الحكومة، الجيش والمؤسسات الأمنية)، من اجل أن يكون بالامكان ردعهم عن ارتكاب أعمال فظيعة. ولكن لم يتحقق أي من هذه الافكار إلى حين اندلاع الحرب العالمية الثانية، عمليا إلى حين كارثة يهود أوروبا.
فقط حين ذاك برزت من جديد الحاجة الى معالجة دولية للمسؤولية الشخصية عن الأعمال الفظيعة. لقد تم اقامة محكمتين، في نيرنبرغ وطوكيو، وأخذتا صلاحيات التعامل مع الجرائم ضد الإنسانية والجرائم ضد السلام. كلتاهما تم حلهما بعد انتهاء المحاكمات. وكان الجهد في نهاية الاربعينيات مكرسا لاقامة محكمة دائمة يمكنها البحث، حسب قرارها أو حسب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في الحالات الشخصية التي تُعرض أمامها.
رجال قضاء من إسرائيل ويهود غير إسرائيليين كانوا المحرك الأساسي في محاولة اقامة هذا الاطار الجديد. أناس مثل د. شبتاي روزن، الذي شغل منصب مستشار قضائي في وزارة الخارجية، رأوا في ذلك إمكانية لمحاكمة النازيين، الذين اختبأوا في دول مختلفة، وكذلك ستكون واحدة من عناصر الردع الأكثر أهمية لمنع جرائم الحرب في المستقبل.
مسودات كثيرة كُتبت، ولكن شيئا لم يحدث. الحرب الباردة منعت اقامة المحكمة، نظرا لأن كل طرف خاف من أن يقوم الطرف الآخر باستخدامها لصالحه. وبديل ذلك كان سلسلة من المواثيق التي تم توقيعها في جنيف في 1949، والتي دعت اعضاء الأمم المتحدة الى سن قوانين ضد التنكيل بالجرحى، ابادة الشعوب وما أشبه. عندما قرر المجتمع الدولي أن يقدم للمحاكمة متهمين باختراق القانون الدولي، تم اقامة محاكم خاصة.
وبعد أن انهار جدار برلين، تجددت الجهود لاقامة محكمة الجنايات الدولية. ومرة اخرى كان اليهود، ومن بينهم الإسرائيليون، عنصرا مركزيا في تسريع هذه العملية. وعلى مدى تسع سنوات استمرت عملية اقامة المحكمة، وفي 1998 تم التوقيع على "ميثاق روما" الذي أقام المحكمة من قبل 120 دولة. ومن الغريب أن إسرائيل لم تكن من بينها. وحسب ادعاء ممثليها، الاضافة المصرية، التي مكنت أن تقدم للمحاكم على نقل مواطني الدولة المحتلة الى مناطق الدولة التي تقع تحت الاحتلال، فتحت بابا لاتهام إسرائيل بالمسؤولية عن الاستيطان في المناطق. هذا التفسير الذي لم يكن الوحيد، كان كافيا للحكومة في حينه لمعارضة الميثاق والانسحاب من المجموع.
الولايات المتحدة، التي امتنعت بشكل عام عن التوقيع على المواثيق الدولية، قررت ايضا ألا توقع على هذا الميثاق خشية أن يتم انكشاف جنودها، المنتشرين في أرجاء العالم في اطار قوات السلام التابعة للامم المتحدة وفي أطر اخرى، لدعاوى غير محقة.
لقد مرت سنتان حتى 31 كانون الأول 2000 حيث أصبح بالامكان الانضمام للميثاق بدون المصادقة عليه، (دعم اخلاقي للميثاق بدون أن تدفع الدولة – العضو – ضريبة في المحكمة، وبدون أن يسري عليها واجب تسليم المتهمين بارتكاب المخالفات للمحكمة).
الجدال الداخلي لم يكن سهلا، فمن جهة كان هناك من رأوا في كل مؤسسة دولية مشكلة كبيرة، وخافوا أن تشكل أداة اضافية لمناكفة إسرائيل؛ ومن جهة اخرى، كان هناك من رأوا فيها أداة لمحاكمة المجرمين وذكروا دور اليهود في اقامة هذا الاطار الخاص، على خلفية محاولة اليهود معالجة كوارث القرن العشرين. البروفيسور شلومو بن عامي، الذي كان يتولى في حينه منصب وزير الخارجية، وأنا شخصيا، كوزير للعدل، طلبنا من الحكومة التوقيع على الميثاق.
تم عقد جلسة الحكومة في اليوم الاخير من سنة 2000، ساعات قليلة قبل انتهاء الفرصة للتوقيع بدون المصادقة. كان التقدير أن الولايات المتحدة لن توقع هي ايضا. لهذا اقترحنا على الحكومة اتخاذ قرار يقضي بأن توقع إسرائيل حتى نهاية اليوم على الميثاق – بشرط أن تقوم الولايات المتحدة بالتوقيع عليه. انتظرنا بفارغ الصبر القرار الأميركي، وهكذا قررت إدارة كلينتون أنه ليس بامكانها أن تكون خارج المنظمة الجديدة، وقامت بالتوقيع على الميثاق. وفي منتصف الليل أضفنا توقيع إسرائيل. بدأت المحكمة بالعمل في 1 تموز 2002، في اللحظة التي صادقت فيها 60 دولة على الميثاق، ومنذ ذلك الوقت وهي تبحث في المخالفات التي تم ارتكابها منذ ذلك اليوم فصاعدا.
كمبدأ أساسي، فان المحكمة لا تبحث في شأن من تمت محاكمته في بلاده، إلا اذا اقتنعت بأن تلك المحاكمة صورية. فهي تبحث في المخالفات التي تم ارتكابها في اراضي دولة عضو فيها وفي المخالفات التي تم ارتكابها من قبل مواطني دولة – عضو، حتى لو لم تحدث على اراضيها. كما أنها تبحث في الحالات التي تقبل فيها دولة غير عضو أن يُحاكم مواطنوها أمامها، وفي الحالات يلقي عليها مجلس الأمن مهمة التحقيق في موضوع معين.
الولايات المتحدة في عهد جورج بوش أعلنت أنها لم تصادق على الانضمام الى المحكمة. وإسرائيل في عهد ارييل شارون أرسلت بيانا مشابها. ومنذ ذلك الوقت تحولت المحكمة الى عدو الشعب وتهديدا لمستقبله. وعلى الرغم من الـ 12 سنة التي عملت فيها، إلا أنها لم تبرهن على وجود مخاوف منها. فهي بعيدة عن أن تشكل محكمة ميدانية تحركها الدوافع السياسية. وبدلا من الخوف منها تستطيع الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط الانضمام الى المنظمة التي كان لها دور في اقامتها، وأن تحيد بذلك التهديد الفلسطيني. بالعكس – ينضم الفلسطينيون ايضا الى المحكمة الجنائية الدولية. إن عالما توجد فيه محكمة كهذه هو عالم أفضل بكثير من عالم ليس فيه محكمة ولا قاضٍ.

التعليق