عيسى الشعيبي

مع شارل وضد تشارلي

تم نشره في الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير 2015. 12:06 صباحاً

تستحق بلاد شارل ديغول، ورئيسها فرانسوا أولاند وشعبها، إبداء مشاعر التضامن في المحنة التي تعرضت لها فرنسا يوم السابع من الشهر الحالي. ويستأهل خليفة فرانسوا ميتران، رغم مشاعر الألم والغصة، وقفة عربية إسلامية شعبية، ملؤها التقدير والاحترام لكل ما يحفل به التاريخ الفرنسي الحديث من سياسات متقدمة تجاه معظم القضايا العربية، لاسيما القضية الفلسطينية، خاصة منذ ما بعد حرب العام 1967.
في المقابل، تستحق مجلة "تشارلي إيبدو" المثيرة للاشمئزاز، أشد عبارات الشجب والاستنكار لما باتت ترمز إليه من انحدار، في سعيها المحموم لإثارة الكراهية والتعصب، وتحديها الأخرق لمبادئ الاحترام المتبادل بين الشعوب والأديان، تحت ذريعة حرية النشر والتعبير، حتى وإن كان في ذلك إساءة بالغة، ومسّ بالرموز والمقدسات لدى الغير، تماماً على نحو ما استأنفت هذه المجلة التافهة القيام به غداة المظاهرة المليونية في باريس.
لقد كانت معاودة المجلة، التي لم يكن يسمع بها الكثيرون، نشر الرسوم المهينة لمعتقدات مئات ملايين المسلمين، عملا أكثر حماقة من ذي قبل، في أعقاب حالة التضامن، التي ازدادت قيمة من خلال المشاركات العربية الرسمية في المسيرة الباريسية. كما بدت أشد استفزازاً ووقاحة، بل وحتى أبلغ مدعاة للحرج، بالنسبة للذين ساروا مع السائرين في ميدان الجمهورية، ناهيك عن الكتّاب والمثقفين العرب، ممن استنكروا العمل الإرهابي، وأعربوا عن تعاطفهم مع الفرنسيين.
وإذا كانت الأمور تقاس بالنتائج، فها نحن نرى اليوم تداعيات التمادي في هذا الاستفزاز الرخيص، ونشاهد مضاعفاته السلبية على الرأي العام في بلاد العرب والمسلمين، الأمر الذي ينذر بتخريب علاقات الصداقة التاريخية مع بلد أوروبي كبير، ويهدد بخسارة حليف نحن أحوج ما نكون إليه في هذه المرحلة التي يزداد فيها الغرب تنكراً وعداوة لقضايانا العادلة، وذلك على النحو الذي دارت فيه المعركة الدبلوماسية داخل مجلس الأمن الدولي، حيث كانت مواقف فرنسا على العكس من مواقف أميركا وحلفائها الأطلسيين.
نقول هذا الكلام، بمناسبة انطلاق المظاهرات الاحتجاجية الصاخبة، واشتداد حدة التصريحات العدائية، التي شملت العديد من العواصم، وتواترت على ألسنة كثيرين من مسؤولي الأحزاب والمنظمات الشعبية، ليس احتجاجاً على بذاءات المجلة القميئة، وإنما أيضاً على تمسك الدولة الفرنسية بمبدأ حرية التعبير، عدا اليهود واليهودية، الأمر الذي شق فهمه على المتظاهرين المصدومين، ممن يخلطون الحابل والنابل، ويأخذون القبيلة بجريرة واحد من أبنائها الضالين.
وأحسب أنه مهما كانت شدة الانفعالات، وكان مبلغ الاحتجاجات على بذاءات المجلة الاستفزازية المتحدية لأعمق المشاعر الدينية، فإنه لا ينبغي التعريض بفرنسا، بلد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ومنظمة اليونسكو، والتنكر بجرة قلم لكل مواقفها المشرفة حيال قضايانا المشروعة، واستسهال التفريط بصداقتها التاريخية مع العرب. وفي المقابل، فإن على الدولة الفرنسية أن تبدي درجة أعلى من الحس بالمسؤولية، وأن تظهر قدراً عالياً من الحساسية، حيال منظومة القيم والمفاهيم والمعتقدات الراسخة في العقيدة الإسلامية.
بكلام آخر، فإنه يعز على الكثيرين بيننا أن يروا المسيرات تطوّق السفارات الفرنسية تطالب بطرد السفير ومقاطعة المنتجات، وأن يشاهدوا العلم الفرنسي يحرق أمام عدسات المراسلين. فراية فرنسا بلد الأنوار والمارسليزيه، غير راية أميركا التي لا ترى في هذه المنطقة سوى النفط وإسرائيل، وفوق ذلك ليست راية إسرائيل من قريب أو بعيد. كما أن من المحزن حقاً أن تقود مجلة لا قيمة لها، حتى بالمعايير المعمول بها في الديمقراطيات الغربية، عملية تخريبية مدانة، حتى لا نقول ردة سياسية في حقل العلاقات الطيبة بين فرنسا والشعوب العربية.
إن سياسة التأزيم الذي يدعو لها برلمانيون وأصوليون ومواقع إلكترونية، تشكل أفضل حالة للاستثمار في التطرف، وأكثر بيئة ملائمة لارتفاع صوت المتشددين الذين وجدوا في مجلة "تشارلي إيبدو" كل ما يحتاجونه من ذخيرة، لإذكاء نار التعصب، وتسعير صراع الحضارات، وترويج مزاعم أن العلمانية تخوض حرباً ضد الإسلام؛ وهو ما يصب القمح كله في طاحونة إسرائيل التي شرعت في السعي المحموم لتهجير عشرات الآلاف من اليهود الفرنسيين، وفي ذلك خسارة مضاعفة، يمكن تجنبها بالترفع عن تأجيج العداء من دون طائل من الفرنسيين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شارلي و ليس تشارلي (محمد)

    الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير 2015.
    شارلي و ليس تشارلي. و ذلك لأن الاسم فرنسي و ليس إنكليزي