مروان المعشر

الخروج من عنق الزجاجة

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الثاني / يناير 2015. 01:08 صباحاً

لا يمثل السجال الدائر بين مجلس النواب والحكومة بشأن رفع سعر الكهرباء، إلا جزءا يسيرا من مشكلة اقتصادية مزمنة تراكمت عبر الحكومات الماضية، بسبب التشبث بنظام ريعي لم يعد باستطاعته معالجة الخلل الاقتصادي المزمن، بل إن استمراره بات يهدد بنتائج وخيمة؛ اقتصادية وسياسية، علينا جميعا.
لقد تجاهلت بعض الحكومات هذه المعضلة تماماً، واستمرت في انتهاج سياسة إنفاقية توسعية وغير إنتاجية، ما أدى إلى تراكم الدين العام، وانخفاض القدرة على استقطاب الاستثمار، وضعف القدرة على توظيف الأموال والادخارات في محركات التنمية. وحاولت حكومات أخرى الحد من عجز الموازنة عن طريق تخفيف الدعم لبعض السلع والخدمات وإعادة توجيهه، من دون أن ترافق ذلك سياسة موازية للحد من التوسع الإنفاقي غير الإنتاجي، والأهم من ذلك عدم اتباع سياسة تعتمد الكفاءة معيارا رئيسا، وتطبق القانون على الجميع من دون تمييز، وتحسن ظروف الطبقات الأقل حظا، فيشعر الجميع أنهم سواسية أمام القانون. واليوم ندفع الثمن.
مجلس النواب محق في مطالبته عدم تحميل المواطن مزيدا من الأعباء؛ ومخطئ في الوقت نفسه بعدم النظر إلى الصورة الشمولية، مثل توسيع القاعدة الضريبية مثلا، وبدء الاعتماد على الذات، وخفض عجز الموازنة، وخلق حيز  مناسب للإنفاق على المشاريع الإنتاجية. والحكومة محقة في محاولة التخفيف من الدين المتراكم ومن عجز الموازنة، مع انخفاض سعر النفط؛ لكنها مخطئة إن اعتقدت أنها تستطيع فعل ذلك دوما من دون إقناع المواطن بأن هناك خطة للخروج من عنق الزجاجة؛ فيبقى المواطن الأردني في دوامة دفْعِ ثمن النظام الريعي من دون أفق مستقبلي واضح.
الوضع الحالي أكبر من أن تستطيع الحكومة أو مجلس النواب الحاليان حله وحدهما. نحتاج إلى خطة وطنية تعترف، أولا، بضرورة البدء بالابتعاد التدريجي عن هذا النظام الريعي، ثم تضع إطارا واضحا لتخفيض عجز الموازنة وتعظيم الإنفاق الرأسمالي، مع تحسين وضع الطبقات الأقل حظا، وصولا إلى تخفيض البطالة وتحويل فرص العمل نحو القطاع الخاص، والتخلص من المساعدات الخارجية التي كان لها الأثر الكبير في ترسيخ النظام الريعي. ولن تستطيع حكومة معينة القيام بذلك من دون توافق مجتمعي على الأسس العلمية والرقمية الكفيلة بإيصالنا إلى شاطئ الأمان. ولن تستطيع أي حكومة فعل ذلك من دون إيجاد مساحة مالية تمكنها من الإنفاق على مشاريع تخلق فرص عمل مستدامة، وتساعد في تطوير بيئة استثمارية صحية.
تنظير؟ للأسف، صار التنظير تهمة لدى البعض منا. ما البديل؟.. الارتجال؟ السير "على السبحانية"؟ المطلوب تنظير ترافقه إرادة سياسية للتطبيق. وبغياب هذه الإرادة يصبح التنظير فعلا غير مجد. لا تكمن المشكلة في عدم وجود الخطط الكفيلة بمعالجة الخلل، ولكن في غياب الإرادة السياسية التي تعي صعوبة التحول من المجتمع الريعي إلى المجتمع الإنتاجي، ولكنها غير مستعدة لمجابهة هذه الصعوبات والتغلب عليها. وضعنا خطة وطنية قبل عشر سنوات من شأن تطبيقها معالجة كل التحديات الاقتصادية المزمنة المذكورة أعلاه، ثم تم وضعها على الرف. بعد عشر سنوات، نتحدث عن خطة عشرية أخرى. فهل نتحدث عن واحدة ثالثة بعد عشر سنوات من الآن؟ وهل لدينا ترف الانتظار عشر سنوات أخرى؟
لن نستطيع الاستمرار في معالجة المشكلة عن طريق المزيد من الديون. من الذي سيسدد هذه الديون في المستقبل؛ أليسوا أبناءنا وبناتنا؟ وأي ثمن سيدفعونه؟ أهو ثمن اقتصادي أم سياسي أيضاً؟ بعد أكثر من تسعين عاما على نشأة الدولة الأردنية، حان الوقت ليس فقط لطرح الموضوع بجدية وموضوعية بعيدا عن التشنج الزائف، بل للعمل على حله، مع إدراك الصعوبات كافة التي تقف عائقا أمام ذلك، ولكن مع الإدراك أيضاً أن الخيار يكمن بين صعوبة الحل واستحالة الاستمرار بالوضع الراهن، أما انتظار المعجزات فليس سياسة جادة.

التعليق