نقاط مضيئة في الشرق الأوسط

تم نشره في الخميس 22 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً

عبدالله غول*

إسطنبول - في العام 1991، بدأت مسيرتي السياسية. وفي نفس ذلك العام، اندلعت حرب الخليج، وبدأ مؤتمر السلام الخاص بالشرق الأوسط في مدريد. وكان زعماء ذلك الوقت مدركين تمام الإدراك لمدى تعقيد التشابكات بين مشكلة فلسطين وغيرها من التحديات القائمة في الشرق الأوسط. ومن المؤسف أن نفس التشابكات المعقدة ما تزال قائمة.
منذ ذلك الحين، شَهِدتُ العديد من المبادرات والخطط والمشاريع لحل صراعات الشرق الأوسط المتعددة. وغني عن القول أن بلدي، تركيا، كان دائماً في طليعة جهود المجتمع الدولي الرامية إلى تأمين السلام والاستقرار والتعاون في المنطقة، وقد ساهمتُ في بعض هذه الجهود بوصفي عضواً في البرلمان، ثم رئيساً للوزراء، ثم وزيراً للخارجية، وأخيراً رئيساً للبلاد.
لكن من المؤسف أن هذه الجهود لم تسفر عن النتائج المرجوة، بالرغم من التكاليف الباهظة من الطاقة والموارد التي أنفقت على مدى ربع قرن من الزمان. وقد تعرض التقدم المتواضع الذي تحقق للتخريب أو أنه لم يكن كافيا، حتى بالرغم من سقوط الآلاف من الأبرياء، سواء في الشرق الأوسط أو خارجه، ضحية للعنف والكراهية والانتقام. والواقع أن مذبحة المدنيين (بما في ذلك العديد من الأطفال) التي شهدتها غزة في الصيف الماضي، ووحشية تنظيم الدولة الإسلامية، وقتل الحاخامات في معبد يهودي بالقدس، والهجوم الإرهابي في أوتاوا الشهر الماضي، كل هذا يكشف بوضوح عن حقيقة بسيطة مفادها أن العنف ينتقل بالعدوى.
في العام 1991، كان صدّام حسين يشكل التهديد الإقليمي الوحيد في المنطقة؛ واليوم تكاثرت التهديدات، وصنعت آثاراً تراكمية. في العام 1991، قامت الولايات المتحدة بالاشتراك مع الاتحاد السوفياتي برعاية مؤتمر مدريد للسلام؛ واليوم، أصبحت الولايات المتحدة وروسيا لا تتبادلان مجرد الحديث إلا بالكاد.
ولكن، وبالرغم من أن الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية تشعر بالإحباط الشديد إزاء تفاقم المشاكل في الشرق الأوسط، فإن من شأن المزيد من التشاؤم أن يزيد الأمور سوءاً. ولذلك، يتعين علينا أن نحاول استخلاص بعض الدروس من الإشارات والاتجاهات الإيجابية التي ظهرت، ولو متناثرة، في الأشهر الأخيرة.
بادئ ذي بدء، يُثبِت نجاح إزالة مخزون نظام الأسد في سورية من الأسلحة الكيميائية أن الجهود المشتركة يمكن أن تسفر عن نتائج إيجابية. وعلى نحو مماثل، عملت الأطراف المشاركة في المحادثات على الإبقاء على وعد التوصل إلى الاتفاق النهائي حياً، من خلال الاتفاق على تمديد المفاوضات الدولية بشأن برنامج إيران النووي، والذي سوف يشكل انتصاراً عظيماً للدبلوماسية متعددة الأطراف.
إن نجاح المحادثات النووية مع إيران (والتي شاركت فيها بوصفي وزيراً للخارجية ورئيساً في مراحل مختلفة) سوف يُخَلِّف عواقب استراتيجية وسياسية واقتصادية كبرى في الشرق الأوسط والعالم. وقد يحفز التوصل إلى حل إيران لتسهيل حل مشاكل إقليمية أخرى. وعلاوة على ذلك، لن تجد القوى الأخرى التي تمتلك -أو يُعتَقَد أنها تمتلك- ترسانة نووية في المنطقة أي عذر لمعارضة نزع السلاح.
كان تشكيل حكومة عراقية أكثر شمولاً -بدافع من الحس السليم والجهود المنسقة من قِبَل الجهات الفاعلة داخل وخارج البلاد-بمثابة علامة إيجابية، تماماً كما كانت الخطوات التي اتخذت نحو حل الخلافات بين حكومة إقليم كردستان والسلطات المركزية في بغداد. ومن الواضح أن القرار الذي اتخذته حكومة إقليم كردستان بعد الإصرار على عقد استفتاء على الاستقلال، يبشر بالخير ويمنحنا الأمل في إمكانية جلب الاستقرار إلى العراق والمنطقة.
نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن التحالف الذي تشكل ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن، وبالرغم من المكاسب العسكرية التي باتت واضحة الآن، فإن القوة "الصارمة" وحدها لن تكون كافية لإلحاق الهزيمة بهذه المجموعة. وفي نهاية المطاف، يكمن الحل في التحلي بالصبر خلال بناء إطار سياسي شامل يحظى بدعم السكان والقادة المحليين، الذين استسلموا لإغراء مناصرة قضية المتطرفين بفعل شعورهم باليأس والخوف.
ورغم أن استخدام القوة الصارمة ضد تنظيم الدولة الإسلامية ربما لم يبلغ منتهاه بعد، فإن الأخطاء التي ارتُكِبَت في أفغانستان والعراق وليبيا وسورية لا يجب أن تتكرر أبدا: بل لابد من التفكير في استراتيجيات الخروج العسكري والانتقال السياسي من دون تأخير. علاوة على ذلك، ولأن تنظيم الدولة الإسلامية ظاهرة تبلور كل الأمراض السياسية والإيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، فإن الحلول الممكنة لابد أن تكون جريئة وشاملة.
وعلى نحو مماثل، كان القرار الذي اتخذته بعض الحكومات والأحزاب والبرلمانات الأوروبية بالاعتراف بدولة فلسطين تطوراً محمودا. ويعكس هذا الاتجاه خيبة الأمل إزاء الجمود الدبلوماسي الحالي، والذي يجب أن تتحمل إسرائيل فقط، وليس الفلسطينيون، اللوم عنه. والأمل الآن هو أن يعمل هذا الاتجاه على تشجيع الجهود التي تبذلها في إسرائيل وفلسطين، الأحزاب الراغبة في التوصل إلى حل عادل. وإنه لمن مصلحة الجميع أن تتحرى إسرائيل ضبط النفس بشأن الاستيطان في الضفة الغربية ووضع مدينة القدس ومقدساتها.
أخيراً، وبالرغم من أن الربيع العربي خُنِق في كل مكان (باستثناء تونس)، فإن توقعات وطموحات ومخاوف شعوب المنطقة تظل حية وسارية. والمطالب التي نادت بها ثورات الربيع العربي -الديمقراطية، والحكم الرشيد، وحقوق الإنسان، والشفافية، والمساواة بين الجنسين، والعدالة الاجتماعية- سوف تستمر في تشكيل الأجندة الإقليمية.
والسؤال الآن هو، كيف يمكن تعزيز هذه المكاسب ودفع عجلة التقدم. لعل إحدى المبادرات البنّاءة المحتملة تتلخص في إنشاء نظام أمني مماثل لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ولا بد أن تظل هذه الرؤية، التي كانت حاضرة منذ ثمانينيات القرن العشرين، ماثلة على قيد الحياة، بالرغم من -أو على وجه التحديد بسبب الظروف غير المواتية لتحققها. ولأن مثل هذه الآلية سوف تتطلب بُعداً اقتصادياً تعاونياً قوياً يشمل قضيتي الطاقة والمياه، فإنها كفيلة بتشجيع التفكير الاستراتيجي طويل الأمد وترسيخ الجهود متعددة الأطراف، الساعية إلى حل المشاكل بمجرد نشوئها.
في اللحظة الراهنة، لا تشبه الاضطرابات التي تجتاح الشرق الأوسط أي شيء شهدناه من قبل. ولهذا السبب، فإن الحاجة إلى التفاؤل مطلوبة أكثر من أي وقت مضى. وفقط من خلال البناء على التطورات والرؤى الإيجابية، سيصبح في الإمكان استعادة وتأمين السلام والاستقرار الإقليميين. أما البديل، فقد يكون أكثر قَتَامة من تصورات حتى أشد المتشائمين.

*رئيس سابق لجمهورية تركيا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"

التعليق