هدية مجلس الشيوخ الأميركي لداعش: العقوبات على إيران

تم نشره في الخميس 22 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً
  • وزيرا الخارجية، الإيراني ظريف (يمين) والأميركي كيري، أثناء المفاوضات النووية - (أرشيفية)

تريتا بارسي* — (وورلد أفيرز جورنال) 15/1/2015

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يحظى تنظيم "الدولة الإسلامية" بالعديد من الأعداء والقليل من الأصدقاء. لكنه يمكن في بعض الأحيان أن يقدم حتى الأعداء المعلنين للخلافة "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" يد المساعدة. وذلك ما يحدث مسبقاً في هذه الآونة، حيث يدفع السناتوران الأميركيان، مارك كيرك وبوب مينينديز، نحو تقويض المفاوضات النووية مع إيران -العدو الرئيسي للدولة الإسلامية. وإذا ما انهارت الدبلوماسية النووية، فستجد الولايات المتحدة وإيران نفسيهما مرة أخرى على الطريق إلى الحرب. وستكون الدولة الإسلامية هي الكاسب الأكبر في حال تحقق ذلك السيناريو. فبعد كل شيء، من هو الذي لا يريد أن يرى أعداءه وقد انقلبوا ضد بعضهم بعضا؟
بطبيعة الحال، لا يقصد عضوا مجلس الشيوخ، كيرك وميننديز مساعدة "الدولة الإسلامية". وربما لا يدركان أن هذه الحصيلة ستكون واحدة من تداعيات دفعهما في اتجاه فرض المزيد من العقوبات على إيران في غمرة الدبلوماسية المتواصلة. وربما لا يهتمان. ربما يعتقدان بأن مساعدة الدولة الإسلامية هي الثمن الذي يستحق الدفع من أجل إعاقة التوصل إلى صفقة الرئيس باراك أوباما النووية مع إيران.
بعد كل شيء، أوضح السناتور توم كوتون (الجمهوري من ولاية آركنساس) أن الهدف من فرض عقوبات إضافية على إيران هو قتل المفاوضات، وليس تقديم الدعم للصفقة. وقال قبل أيام: "إن نهاية هذه المفاوضات ليست نهاية غير مقصودة لعمل الكونغرس، بل إنها نهاية مقصودة جداً".
من جهته، يعتقد البيت الأبيض أن هذه العقوبات الجديدة سوف "تنسف" المفاوضات، ويقول إن الرئيس أوباما قد تعهد باستخدام حق النقض "الفيتو" ضد مشروع القانون المذكور. وكانت القيادة الجمهورية قد قررت طرح مشروع القانون خلال هذه الفترة، ثم الانتقال إلى التصويت عليه خلال وقت قصير بعد ذلك.
لكن معارضي الدبلوماسية لا يتفقون مع الجمهور الأميركي. ففي حين ينصب التركيز الجماهيري على "الدولة الإسلامية"، ما يزال مجلس الشيوخ مركزاً على إيران. ووفق استطلاع للرأي أجرته شبكة (سي أن أن)، فإن 90 في المائة من الجمهور يرى في "الدولة الإسلامية" تهديداً للولايات المتحدة. وقال استطلاع آخر أجراه معهد بروكينغز إن 70 في المائة من الجمهور الأميركي ينظر إلى "الدولة الإسلامية" على أنها تشكل التهديد الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبالإضافة إلى ذلك، يحب نحو 61 في المائة من الأميركيين أن يروا الولايات المتحدة وهي تتعاون مع إيران من أجل إلحاق الهزيمة بـ"الدولة الإسلامية".
مع أن إيران ليست عضواً رسمياً في الائتلاف الأميركي ضد "الدولة الإسلامية" -وحيث تنفي كل من واشنطن وطهران أنهما تنسقان الجهود في هذا الصدد- فقد لعبت طهران دوراً حاسماً في رد التنظيم الإرهابي على أعقابه. وأوردت صحيفة "ذا كريستيان سينس مونيتور" أنه عندما تدفقت قوات "الدولة الإسلامية" إلى داخل العراق عبر الحدود السورية، فقد "كانت إيران الشيعية هي أول من قدم الأسلحة والمستشارين العسكريين".
في الحقيقة، حظي رد طهران السريع والشجاع على "الدولة الإسلامية" بالكثير من إطراء ومديح المسؤولين العراقيين. وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، قد قال مؤخراً: "عندما أصبحت بغداد تحت التهديد، لم يتردد الإيرانيون في مساعدتنا، كما أنهم لم يترددوا في مساعدة الأكراد عندما تم تهديد أربيل". حتى أن بعض الساسة العراقيين يعتقدون بأن بغداد كانت لتسقط بأيدي "الدولة الإسلامية" لولا الدعم العسكري الذي قدمته إيران.
من جهتهم، يوافق المسؤولون الأميركيون على هذا القول على مضض. ومن الجدير بالملاحظة أنه من النادر جداً أن تجد مسؤولين أميركيين وإيرانيين يتحدثون جهاراً عن بعضهم بعضا بشكل إيجابي. لكنْ عندما يتعلق الأمر بدور إيران في قتال "الدولة الإسلامية"، فإن هذا الجهد يلقى الإقرار حتى من جانب المسؤولين الأميركيين. وقد رحب الجنرال جون ألين، المبعوث الرئاسي الخاص للائتلاف العالمي لمواجهة "داعش" بما أسماه "دور إيران الإيجابي" في العراق. وقال وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إن الأثر الصافي لدور إيران وانخراطها في العراق إيجابي.
ربما يمكن تفسير معارضة إيران الشديدة للـ"الدولة الإسلامية" إلى حد كبير بالتهديد الذي تراه من المنظمة الإرهابية. لكن ذلك جاء أيضاً، في جزء منه، نتيجة لتراجع حدة التوتر بين واشنطن وطهران بسبب الدبلوماسية النووية المتواصلة، والتي مكنت الإيرانيين من رؤية التحديات الإقليمية من خلال عدسات جديدة. وفي الماضي، عندما كانت واشنطن وطهران متورطتين في منافسة وخصومة إقليمية حادة، استخدم الجانبان كل فرصة متاحة لتقويض جهود بعضهما بعضا، في وقت كانا يتقاسمان فيه في الحقيقة كثيراً من المصالح المشتركة. وفي أفغانستان، عارض الجانبان طالبان وسعيا إلى هزيمتها، لكنهما درجا على استخدام طالبان كل لإضعاف الجانب الآخر أيضاً.
لو لم تكن الدبلوماسية حول البرنامج النووي قائمة، فإن الفرص كانت ستشهد الجانبين وهما يقدمان على استخدام "داعش" عسكرياً. كانا سيعارضان التنظيم، لكنهما كانا سيسعيان في الوقت نفسه إلى طرق لاستخدام "داعش" كل للإضرار بالآخر. وبالتالي، كانت "داعش" لتستفيد من عدم قدرة كل من الولايات المتحدة وإيران على تنحية خلافاتهما جانباً من أجل التركيز بشكل كامل على التنظيم الإرهابي الجهادي.
لكن ذلك بالضبط هو السيناريو الذي من المرجح أن ينجم إذا نجح السناتوران كيرك وميننديز في نسف المفاوضات النووية، وفي دفع كل من إيران والولايات المتحدة نحو المواجهة.
من المفهوم أن إدارة أوباما لا تريد دمج الموضوع النووي وتحدي "الدولة الإسلامية" معاً. كما أنها حساسة جداً إزاء اتهامها بأنها ستخفف مطالبها النووية من أجل كسب دعم إيران ضد "داعش". وليس هناك ما يشي بأنه حتى هذه المقايضة كانت موضع دراسة، أو بأن أوباما انتهج خطاً ناعماً مع إيران. بل على العكس من ذلك، وبعد مضي أكثر من 12 شهراً من المفاوضات وموعدين نهائيين، فإن كل شيء يشير إلى العكس –إن كلا الجانبين يفاوضان بصلابة بالغة وبالقليل جداً من المرونة.
بدلاً من القلق من تحدي "داعش"، ومن ليونة الموقف الأميركي في الملف النووي، فإن الموقف الحقيقي يجب أن يكون توجه السناتورين كيرك ومننديز الرامي إلى نسف الدبلوماسية مع إيران، وبحيث سيقضيان بفعلهما ذلك على الفرصة لمنع بناء القنبلة النووية الإيرانية، ويعيدان استئناف المسيرة نحو الحرب مع إيران -وفوق كل ذلك تمكين "داعش" من الاستفادة من إعادة قدح زناد المنافسة الأميركية – الإيرانية.
من الذي يحتاج إلى أصدقاء عندما يكون لديه أعداء يقدمون له مساعدة كهذه؟

*مؤسس ورئيس المجلس القومي الإيراني الأميركي، وهو خبير في العلاقات الأميركية الإيرانية وفي السياسات الخارجية الإيرانية وفي الجيوسياسات الشرق أوسطية. وهو حائز في العام 2010 على جائزة "غراويمير" للأفكار التي تحسن النظام العالمي، والمؤلف الحائز على جائزتين عن كتابيه، "التحالف الخياني- الصفقات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة"، و"دحرجة منفردة لحجر النرد- دبلوماسية أوباما مع إيران".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The Senate's Gift to ISIS: Sanctions on Iran

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق