"الواسطة" للتخرج من الجامعة: فساد وانتهاك لحق المساواة

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً
  • "الواسطة" للتخرج من الجامعة: فساد وانتهاك لحق المساواة (ارشيفية)

منى أبو حمور

عمان- يجهل العديد من طلبة الجامعات الجهد الحقيقي الذي لابد أن يبذلوه حتى يتمكنوا من اجتياز سنوات الدراسة الأربع، معتقدين أن مجرد حضورهم للمحاضرات كاف، وإن كانت العلامات لا تؤهلهم لاجتياز فصل التخرج، حينها يبدأون “بتشغيل” الواسطات، وتقديم كل وسائل الرجاء للهيئة التدريسية لينالوا “النجاح”!
واكتشف العشريني أحمد طالب السنة الرابعة في إحدى الجامعات الأردنية، وقبل بدئه بالامتحانات النهائية، أن تجميعه في إحدى المواد لا يؤهله للنجاح في مساق معين، الأمر الذي شكل له قلقا وخوفا كبيرين، خصوصا بعد إعلانه أمام أقاربه بأنه خريج لهذا العام.
يقول “يجب أن يكون هناك تعامل خاص مع الخريجين والتعاطف معهم”، لافتا الى أن الطالب الخريج يشعر بحالة من التراخي والتقاعس في السنة، وهو ما لا يأخذه المدرسون بعين الاعتبار.
ويتابع أحمد، أن مساعدة الهيئة التدريسية للطلبة الخريجين على اجتياز الامتحانات لا تسبب الضرر لأي أحد آخر، واصفا مثل هذا الأمر بفعل الخير!
في حين لم توفر عائلة الطالب معن جهدا في البحث عن “واسطة تمون”، وفق قوله، على دكتور أحد المساقات التي يدرسها ابنهم والتي تتطلب نجاحه فيها حتى يتخرج من الجامعة.
ويروي والد معن استياءه من هذا الدكتور، واصفا تمسكه برفضه منح ابنهم علامات، بالظلم، قائلا “هو شو بيخسر لما ينجح ابني”.
وما يزيد الطين بلة هو اعتقاد والد معن بأن الدكتور “مستقصد ابنه”، غافلا عن سؤاله بسبب تقصيره في دراسته وسبب وصوله إلى هذا الحد.
الأمر مع الطالب نورس أخذ منحى آخر، فقد قام ووالده بالبحث عن أحد الأشخاص المسموعة كلمتهم حتى يضغط على مدرسه حتى يتمكن من النجاح والحصول على شهادة بدون أن يضطر إلى إعادة المادة والتأخر عن دفعته في التخرج.
الخوف من شماتة الأقارب و”تريقة” الجيران هو ما دفع عائلة الطالب معاذ للذهاب إلى أعضاء الهيئة التدريسية وتقديم الرجاء من أجل رفع علامات ابنهم حتى يتمكن من الوصول إلى المعدل الذي يمكنه من التخرج، خصوصا أنه قد أمضى خمسة أعوام في الجامعة ولابد له أن يتخرج.
تجاوب بعض أعضاء الهيئة التدريسية مع الطالب ورفع معدله جعل عائلة معاذ تعتقد أن ما يطالبون به هو حق لابنهم الخريج، متجاهلين تقصير ابنهم طوال السنوات الأربع وكأنهم لم يعلموا بأمر المعدل إلا عند التخرج.
ما زاد الأمر سوءا، وفق العائلة، هو رفض أحد أعضاء الهيئة التدريسية رفع معدل معاذ في مادته، الأمر الذي يتسبب في تأخير تخرجه رغم الواسطات العديدة والمتكررة التي كانوا يرسلونها للدكتور.
بيد أن إصرار الدكتور على رفض رفع معدله واعتبار إخفاقه في الجامعة مسؤوليته وحده ولابد من أن يتحمل وزرها، جعل معاذ وعائلته يسعون للانتقام من الدكتور صاحب المبادئ والقيم!
بدوره، يشير اختصاصي علم الاجتماع الأستاذ المشارك في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين، من منظور تشخيصي ومجرد، إلى أن مفاهيم بعض الأسر الأردنية عن التعليم أصبحت ذات بعد واحد، وهو النجاح دائما، وخطورة هذا الأمر تجعل الأهل لا يقدرون وجود فوارق فردية بين الأبناء.
ويلفت إلى أن فكرة الحصول على شهادة أصبحت فعلا تحصيليا، كل ما تحتاجه من الطالب هو مروره بعدد من السنوات بدون الاهتمام بما يقدمه الطالب أو يستوعبه من دراسته.
ويمعن بعض الأهل، وفق محادين، في اعتقادهم أن الغش وتعميق قيمه هو سلوك مقبول وكأنهم يتحدثون عن حدث نبيل مطلوب تحقيقه بغض النظر عن الوسيلة، فيتشرب الأبناء هذا الاعتقاد وتكون النتيجة ضعف البنية التعليمية، معتبرا هذا الأمر خللا في البيئة التعليمية يتشربه الأبناء ويستثمره الآباء في سبيل الحصول على الشهادة.
المؤلم، من وجهة نظر محادين، هو ليس السعي إلى الواسطات من أجل النجاح فحسب وإنما طلب الحصول على معدل عال، معتقدين أن هذا الأمر هو حق للطالب.
ويشير محادين، ومن خلال ما يعكسه الحال في الجامعات، إلى أن المؤسسات الجامعية لم تعد تمتلك كريات دم بيضاء لتقف ضد أمراض المجتمع وتأثيرها، وتحولت بعض المؤسسات التعليمية لبناء المجتمع وتطويره إلى مؤسسات مريضة ليست لديها حصانة في ظل الوساطة الجهوية والأمراض الأخرى الوافدة من المجتمع.
ويقول محادين “إن عضو الهيئة التدريسية لم يعد قادرا على تحصين نفسه وأصبح مقيدا”، لافتا إلى أن وجود الجامعات خارج العاصمة وتكلس دورها وتحنيطه، جعلاها تصبح كمدرسة ثانوية لا أقل ولا أكثر، معرجا على امتحانات الكفاءة التي أصبحت أضحوكة مؤلمة.
تراجع دور الجامعات المحوري، بحسب محادين، قلل من هيبتها، وأصبح النجاح تحصيل حاصل، مكتفيا بالنظر بعلمية إلى أن الدولة عندما تريد أن تقوم بإعادة هيبة امتحان الثانوية العامة أصابت الجامعة بقلق كبير وتوتر إلى أن تقوم الحكومة أيضا بتصويب وضع الجامعات وإعادة الهيبة لها، خصوصا بعد تحول الجامعات إلى مؤسسات تشغيل لمن ليس له عمل بضغوط من شتى الجهات.
يقول “نحن بحاجة إلى قرار سياسي يعيد الهيبة للجامعات كما أعاده للثانوية العامة بدون تلكؤ”.
اختصاصي علم التربية والإرشاد النفسي في جامعة البلقاء التطبيقية، الدكتور منذر سويلمين، لا ينكر وجود العديد من الطلاب الذين يقضون أربع سنوات من الجامعة وعند التخرج يبدأون بالبحث عن الواسطة وتدخل الأقارب والمعارف مع مدرس المادة.
وتكمن المشكلة الكبرى، وفق سويلمين، في اعتبار الطالب نجاحه في فصل التخرج حتميا، محملا المسؤولية لبعض الأكاديميين في ترسيخ هذا الفكر عندهم من خلال استجابتهم وإيحائهم للطالب أن الخريج مطلوب منه أقل حد من الأداء الأكاديمي.
ويردف أن الخريج يجب أن تكون لديه حصيلة تعليم لأربع سنوات، ويفترض به أن يكون سندا للأكاديمي يساعده في تقديم المعلومات لمن يصغرونه علميا.
ويقول إن لجوء الطلبة إلى الواسطة للحصول على درجة معينة أو تقدير معين هو “سلوك غير سوي من قبل الطالب والأكاديمي الذي يستجيب لهذا الأمر”.
ويجد سويلمين أن التحاق الخريجين بالميدان وإثبات ضعفهم على أرض الواقع يعد بحد ذاته إساءة للأستاذ والجامعة التي تخرج فيها.
من جهته، يؤكد اختصاصي علم الاجتماع عميد كلية الأميرة رحمة في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور حسين الخزاعي، المعاناة الحقيقية للهيئة التدريسية في فصل التخريج، لاسيما الطلبة المتوقع تخرجهم.
ويشير الخزاعي إلى أن أكثر ما يقلق ويزعج الإدارات الجامعية ممثلة بعمادة الكليات ما يعرف بالطلبة المتوقع تخرجهم والطلبة في فصل التخريج، لافتا إلى أن هؤلاء الطلبة وللأسف يعتقدون أنهم تخرجوا رغم أنهم ما يزالون على مقاعد الدراسة حتى انهم يستهينون بالامتحانات النهائية، فيبدأون بالبحث عن الواسطة بعد الإخفاق، مؤكدا أن الطالب يجب أن يبقى طالبا حتى آخر لحظة في الدوام.
وتبدأ المشكلة، بحسب الخزاعي، بعد إعلان النتائج وإخفاق البعض، فيبدأ الضغط على إدارة العمادة والأقسام الأكاديمية والهيئات التدريسية، مؤكدا أن هذا الضغط لا يمكن أن يثمر إلا من خلال القانون الذي منح الطالب “للأسف الشديد” حق الاعتراض على النتيجة النهائية بعد كل فصل.
يقول الخزاعي “فترة الاعتراض على نتيجة الامتحان تمنح الأهل الوقت لزيادة الضغط على الهيئة التدريسية”؛ حيث تبدأ الواسطات التي ترهق كاهل عمداء الكليات والهيئات التدريسية فيبحثون عن أي فتوى ليتمكن الطالب من التخرج.
ويستهجن الخزاعي قبول الأب، المسؤول أو العم التوسط للطالب والذهاب إلى الدكتور أو العميد والضغط عليه بدلا من معاقبة ابنهم وتوجيهه وإرشاده، مؤكدا أن عميد الكلية لا يتدخل أبدا في النتائج، فهي حق عضو هيئة التدريس.
ويعزو الخزاعي تفشي الواسطات عند التخرج إلى وجود الجامعات في محافظات عشائرية تشكل وسيلة ضغط، خصوصا مع سيطرة القرابة والعشائرية، الأمر الذي يخرج طلبة ضعافا وغير مؤهلين للتعامل مع المجتمع.
ويطالب الخزاعي الأهل بمتابعة التحصيل الأكاديمي لأبنائهم طوال الأعوام الأربعة وعدم الرضوخ لكلام الأبناء، إلا أن ما يزيد الطين بلة هو مطالبة الأهالي بتقدير معين لأبنائهم حتى يتمكنوا من إكمال دراساتهم العليا.
ويصف الخزاعي هذا النوع من الفساد بأنه مغلف بالقانون لا يمكن إيقافه، خصوصا في ظل وجود القانون الذي أعطى للطالب حق مراجعة العلامة والذي يمارس من قبل البعض “بطريقة فاسدة”، واجدا أن إجراء الامتحان عبر الانترنت وأخذ العلامة مباشرة هي الحل للقضاء على هذه الآفة.

muna.abuhammour@alghad.jo

 @munaabuhammour

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حق الطالب (سائده/كليه التربيه)

    الثلاثاء 11 آب / أغسطس 2015.
    واين حق الطالب من استاذ واستاذه مستهترين ..اسئله خاطئه وتصحيح خاطي .وزياده علامات للشعبه من جيبهم الخاص...يحب وضع لجنه تدقيق للاسئله وللتصحيح..و حد لمزاجيه المدرسين .
  • »التربيه والمدرسة الاساس (رشا)

    الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015.
    المدارس عنا فاشله والدليل انها عم بطلع طلاب بهيك تفكير وعقلية ... والأهالي يسلموا أوﻻدهم للمدرسه وللشارع وبعدين يطالبوا انو أوﻻدهم ينجحوا ... والنظام بحط اعذار لتسيبه ....يعني وين دانك يا جحى
  • »قيمة العلم تؤكده الشهادة (إبراهيم أمين)

    الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015.
    أكاد لا أصدق ما أقرأ ما معنى الشهادة الجامعية إذا خلت من التحصيل العلمي الحقيقي المبرر لها. ما يحصل في جامعاتنا، إذا كانت هذه المقالة تصفه حقيقة غير انا كلام فاضي. من يبرر لأستاذ جامعي أن يخرج للمجتمع حرامي وفاشل وكاذب بشهادة مزورة. ذلك الذي يتحصل على شهادة بالواسطة والتزوير وشراء الذمم. قال لي أحدهم كان أستاذا في جامعة غربية الاتي: صادفني مرة أن أحد طلابي يستحق أكثر مما حصل عليه فعلا. وأردت أن أرفع درجته لاقتناعي بصواب ذلك، فزدت علامة كل طلاب ذلك المساق لأبرر لنفسي فعلتي التي ما زلت غير مقتنع بها. ما رأيكم دام فضلكم؟ ونحن نذهب بالحامولة للمدرس ليشهد معنا زورا وبهتانا أن المحروس ولدنا نجح مثل زملاؤه. وهو فاشل . ما قيمة الشهادة إذن غير أن الجامعة تتآمر على المجتمع لتبقي البلد متخلف. وهي قائدة التقدم ، كما يفترض؟ لمن نشكو تخلفنا إذن؟ للأميين أم للجهلة أم لبياعين الذمم؟
  • ».. (...)

    الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015.
    على أساس هدول الدكاترة ما صارو دكاترة إلا بلوسطات