من أجل إنقاذ النظام العالمي

تم نشره في الاثنين 2 شباط / فبراير 2015. 12:00 صباحاً

كوفي أنان*

جنيف- عندما كان العام 2014 يقترب من نهايته، أصبحت القيم المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان تحت التهديد. ففي مختلف أنحاء العالم، تتعرض الحريات الشخصية، وحقوق الإنسان والديمقراطية للمخاطر، حتى في البلدان التي تبنت المثل الديمقراطية. ويعيش المجتمع الدولي حالة من الانقسام العميق، الأمر الذي يحول دون إحراز أي تقدم في التعامل مع مجموعة من التحديات العالمية، بدءاً بالأزمات القائمة في سورية والعراق وأوكرانيا، وذهاباً إلى قضايا التغير المناخي والتجارة الدولية.
هناك ثلاثة عوامل -والتي يرجح أن تستمر جميعها في العمل خلال العام 2015- هي التي تحرك هذه الاتجاهات المثيرة للقلق الشديد.
أولاً، ربما حققت العولمة العديد من الفوائد، ولكنها أدت أيضاً إلى تآكل قدرة المجتمعات على تحديد مصائرها بنفسها. والواقع أن العديد من التحديات المعاصرة -بما في ذلك التهرب الضريبي، والجريمة المنظمة، وانعدام الأمن السيبراني، والإرهاب، وتغير المناخ، والهجرة الدولية، والتدفقات المالية القانونية وغير القانونية- والتي تشترك جميعاً في أمر واحد: أن الأدوات التقليدية التي تمتلكها الدول ذات السيادة لم تعد كافية لإدارتها.
ثانياً، لعبت الحلول العسكرية الفاشلة في أفغانستان والعراق دوراً كبيراً في تقويض وحدة المجتمع الدولي، وفي تراجع الثقة في فكرة التدخل عموما، حتى في حين تعمل القوى الراسخة على خفض ميزانياتها وتتجنب القوى الناشئة تولي مسؤوليات جديدة. وفي العام 2014، في موطني أفريقيا وأماكن أخرى من العالم، تحدى الزعماء موضوعية وفعالية المحكمة الجنائية الدولية، والتي كان تأسيسها مَعلَماً رئيسياً على طريق النضال من أجل إنهاء حصانة الزعماء الوطنيين وإفلاتهم من العقاب.
وأخيراً، يبدو أننا قد فشلنا في تحديث البنية المؤسسية للنظام الدولي. فما تزال المؤسسات الأكثر أهمية -مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي- خاضعة لهيمنة المنتصرين الأوروبيين والأميركيين في الحرب العالمية الثانية، من البلدان التي تمثل أقلية متزايدة الصّغَر من سكان العالم وحصة متزايدة الانكماش من الناتج الاقتصادي. وكان الفشل في التعبير عن تغير موازين القوى العالمية بسبب صعود الصين والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها من البلدان الناشئة سبباً في تقويض فعالية وشرعية النظام الدولي القائم اليوم، وخاصة في نظر أولئك الذين يشعرون بأنهم محرومون من الاعتراف اللائق.
ولكن، أياً كانت أوجه القصور التي تعيب النظام الدولي، فمن الأهمية بمكان أن نتذكر أنه لم يسبق في تاريخ البشرية أن كانت أعداد القتلى بسبب الصراعات المسلحة قليلة إلى الحد الذي نشهده اليوم (كنسبة من سكان العالم). ومع أن هذه الحقيقة لا تتصدر عناوين الصحف الرئيسية، فإن النظام الدولي، بقواعده ومؤسساته، يسمح للدول بتسوية معظم نزاعاتها سلمياً، أغلب الوقت.
إن مكافحة أوبئة مثل الإيبولا أو منع العواقب الأكثر ضرراً لتغير المناخ تتطلب التضامن والتعاون. ولن يفضي التقهقر إلى الأحادية، أو القومية والمتطرفة، أو سياسات الهوية إلى شيء غير عالم مرير مفتت ومحفوف بالمخاطر.
عندما نتطلع إلى العام 2015 وما بعده، فسوف ندرك أن العالم في حاجة ماسة إلى زعماء شجعان قادرين على رؤية الصورة الكاملة من خلال نظرة طويلة متأنية. ففي عالم حيث تتأرجح فيه القوة صعوداً وهبوطاً، تكمن مصلحة الجميع في التمسك بنظام عادل من القواعد التي تحترم السيادة الوطنية والحقوق الفردية. ويتعين على قادة القوى التاريخية العالمية أن يدركوا أنه من مصلحتهم أيضاً أن يلتزموا بالقواعد، وأن يسمحوا للدول الصاعدة بالمساعدة في صياغة هذه القواعد. وكما سبق لي وأن أكَّدت على الدوام، فإنه يجب أن يتوسع مجلس الأمن حتى يتسنى للدول النامية أن تحظى بحقوق تصويت أكبر في مؤسسات بريتون وودز: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وفي المقابل، يتعين على القوى الأحدث عهداً في العالم أن تبدأ في تولي حصة أكبر من المسؤولية عن النظام العالمي الذي يتوقف عليه نجاحها. ولم يعد بوسعها أن تقف موقف المتفرج وتندد بمظالم الماضي. ينبغي عليها بدلاً من ذلك أن تنضم إلى قريناتها في بناء المستقبل.
كثيراً ما نستمع إلى أحاديث عن أوجه القصور التي تعيب الأمم المتحدة، والتي تكمن في صميم النظام الدولي. ونادراً ما ننتبه إلى إنجازاتها ونجاحاتها، وهي كثيرة. وبدلاً من الانسحاب من نظام أفضى إلى نتائج استثنائية غير عادية، يتعين علينا أن نستغل الأزمة الحالية التي يعيشها المجتمع الدولي بوصفها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل النظام القائم، بحيث يصبح قادراً على التصدي للتحديات المعاصرة التي تواجهنا بشكل أفضل.

*أمين عام سابق للأمم المتحدة. مؤسس مؤسسة كوفي أنان، ورئيس منتدى الشيوخ وتقدم أفريقيا. حائز، بالاشتراك مع الأمم المتحدة، على جائزة نوبل للسلام.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق