التطور التاريخي لأسواق النفط (2-2)

تم نشره في الخميس 5 شباط / فبراير 2015. 01:00 صباحاً
  • منشآت نفط عالمية - (أرشيفية)

بقلم: لهب عطا عبدالوهاب

رابعاً: حقبة التسعينيات/"حروب وأزمة مالية تهوي بأسعار النفط"
جاءت حقبة التسعينيات من القرن الماضي حبلى بالأحداث، وأكثرها "زحاماً". ومن أهم الأحداث التي صبغت هذه المرحلة:
1 -حرب الخليج الثانية:
أدى الغزو العراقي للكويت صبيحة يوم 2 آب (أغسطس) عام 1990، وما أعقبه من صدور قرار مجلس الأمن رقم 661 بحظر التعامل بالانتاج النفطي للبلدين – الذي وصل حينها إلى نحو 4.680 ملايين برميل يومياً، منها 2.90 مليون انتاج العراق ونحو 1.780 مليون برميل انتاج الكويت – إلى مخاوف الأسواق العالمية من حدوث نقص في الامدادات شبيه بما حدث عام 1979، وما تبع ذلك من زيادات غير مسبوقة في أسعار النفط. وبالفعل، ارتفعت أسعار النفط خلال الفترة الممتدة من نهاية يوليو وحتى أواخر آب (اغسطس9 من 16 دولاراً إلى أكثر من 28 دولاراً للبرميل، ووصلت ارتفاعها لتصل إلى نحو 36 دولاراً للبرميل في أيلول (سبتمبر) 1990. لكن المخاوف من تكرار سيناريو عام 1979 سرعان ما تبددت، اذ اخذت الأسعار بالتراجع لتستقر عند مستوى يتراوح بين 18 و24 دولاراً للبرميل. ومردّ ذلك هو ان الاسواق أصبحت أكثر تنوعاً وانتشاراً وعالمية، واصبح لديها من الأدوات والكوابح ما يمكنها من السيطرة على الأمور اللوجستية المتعلقة بأساسيات السوق من عرض وطلب وابقائها على قدر كبير من التوازن.
وقد عزز من ذلك عدد من العوامل منها:
*قيام دول أوبك. وخصوصاً المملكة العربية السعودية، بالاضافة إلى دول أخرى خارج أوبك بزيادة الانتاج لتعويض توقف امدادات كل من العراق والكويت التي تعادل 7 في المائة من الامدادات العالمية.
*التحسينات الفنية التي طرأت على صناعة التكرير خلال فترة الثمانينيات لتحويل النفط الثقيل إلى منتجات بترولية خفيفة، خصوصاً في دول أوروبا الغربية والشرق الاقصى وأمريكا اللاتينية، كان لها دور كبير في تعويض الاسواق التي كانت تعتمد على العراق والكويت لتلبية احتياجاتها من النفط الخام والمشتقات البترولية.
*انتفاء الحاجة لبناء مخرونات اضافية في الدول الصناعية، لمقابلة الانقطاع المفاجئ في الامدادات، كما حصل في السبعينيات من القرن الماضي، خصوصاً بعد انشاء وكالة الطاقة الدولية التي ألزمت اقطارها الأعضاء الاحتفاظ بمخزونات حكومية تعادل 90 يومياً من الاستيراد.
2 - انهيار الاتحاد السوفياتي:
شهدت نهاية عام 1991 انهيار الاتحاد السوفياتي. أحد أكبر ثلاث دول منتجة للنفط في العالم (وصل انتاجه أواخر الثمانينات إلى نحو 12 مليون برميل يومياً) وتفككه إلى ما اصطلح عليه بـ"كومنولث الدول المستقلة" التي ضمت، بالإضافة إلى روسيا، كلاً من أوكرانيا واذربيجان وكازاخستان. وقد أثار هذا التفكك المفاجئ للأمبراطورية السوفياتية مخاوف الأسواق من حصول نقص في الامدادات، خصوصاً ان الاتحاد السوفياتي السابق كان يصدر كميات كبيرة من النفط الخام والمنتجات المكررة إلى اوروبا الغربية بالدرجة الأساس، بالاضافة إلى دول اخرى في امريكا الجنوبية وآسيا.
3 - الأزمة المالية الآسيوية:
كان للأزمة المالية الآسيوية التي تعرضت لها تايلند في صيف العام 1997، وانتقلت لاحقاً إلى "النمور" الآسيوية الاخرى، تداعيات كبيرة على الأسواق العالمية لم يدركها متخذو القرار في حينه. اذ اجتمعت "اوبك" في 29 نوفمبر 1997 في العاصمة الأندونيسية جاكرتا لتقرر رفع سقف انتاجها – لأول مرة منذ أكثر من اربع سنوات – إلى 27.5 مليون برميل يومياً بدءاً من يناير 1998، اي بزيادة قدرها 10 في المائة عن سقف انتاجها السابق، من دون ان تأخذ في الحسبان الركود الاقتصادي الذي عم دول جنوب شرق آسيا جراء التخفيض المتكرر لعملاتها، وهي الدول التي كانت حتى وقت قريب مصدر الزيادة في نمو الطلب العالمي على النفط. وترتب على هذا الإجراء خلق فائض في الأسواق العالمية وتراجع ملموس في الاسعار فاقمت منه عودة العراق إلى السوق ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء، ما زاد من وفرة الامدادات واستمرار التراجع في الأسعار الذي لامس عتبة الـ10 دولارات للبرميل في مارس 1999. ورغم ان "اوبك" والدول المنتجة الأخرى خارجها، وتحديداً النرويج والمكسيك وسلطنة عُمان، عملت معاً على تخفيض الامدادات لوضع حد لتراجع الأسعار التي أخذت تسترد عافيتها تدريجياً مع أواخر عام 1999 ومطلع العام 2000، خصوصاً مع عودة النمو الاقتصادي للدول الاسيوية، فإن سوء التقدير وعدم استقراء الأمور بالدقة المطلوبة افقداها خلال عام 1998 عائدات تقدر بـ100 مليار دولار أو ما يعادل 30 في المائة من عائداتها مقارنة بالسنة السابقة.
وتدفع الأزمة الآسيوية إلى الاستنتاج بأن التقلبات الحادة في السوق النفطي بخلاف الأزمات الثلاث التي عرفها العالم في الاعوام 1973، 1979، 1990، التي ارتبطت بالعمليات العسكرية والاضطرابات السياسية، يمكنها ان تحصل كذلك في ظروف السلم والسلام العالميين، ما يجعل من التنبؤ بمسار الأسعار من الصعوبة بمكان.
4 - الاندماجات
لعل من أهم التداعيات التي خلفها انهيار الأسعار عام 1999 هو الاندماجات MERGERS التي طالت الصناعة النفطية للاقتصاد في التكاليف من ناحية، وللاستفادة من "وفورات الحجم" Economies of Scale التي توفرها عمليات دمج الشركات بعضها ببعض من ناحية أخرى، وقد ترتب على عمليات الدمج هذه بروز ظاهرة جديدة في الصناعة النفطية هي ظاهرة الشركات النفطية العملاقة Mega Oil CO.s التي أصبحت تهيمن بشكل كبير على صناعة الطاقة في العالم.
 ومن أبرز عمليات الدمج التي شهدتها الصناعة النفطية؛ اندماج شركتي اكسون وموبيل في صفقة قيمتها 81 مليار دولار، اندماج شركتي توتال فينا وألف (ALF) في صفقة قيمتها 39 مليار دولار، اندماج شركتي بي بي واموكو (Amoco) في صفقة قيمتها 53 مليار دولار، اندماج شركتي شيفرون وتكساكو في صفقة زادت قيمتها على 49 مليار دولار.
خامساً: الألفية الثالثة/ "أسعار النفط إلى أين؟ عتبة الـ80 دولاراً للبرميل مطلع القرن الـ21"
عرف نصف العقد الأول من مطلع الألفية الثالثة تقلبات حادة في أسعار النفط لم يألفها السوق النفطي منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ بعد أن استقرت الأسعار (متوسط سلة خامات أوبك) عند معدل 25 دولاراً للبرميل خلال الأعوام الممتدة من 2000 إلى 2003 – هي الفترة التي عملت خلالها منظمة الأقطار المصدرة للبترول بالدفاع عن نطاق سعري يتراوح بين 22 و28 دولاراً للبرميل باعتباره السعر الذي يمكن ان يحقق التوازن في الأسواق – فإن الصورة اختلفت تماماً، بدءاً من العام 2004، مع ارتفاع الأسعار في منحى تصاعدي بلغ ذروته صيف عام 2006، حين وصل متوسط سعر سلة خامات "أوبك" إلى 68.9 دولاراً للبرميل في شهر يوليو من العام المذكور، في حين لامست أسعار النفط في الأسواق الآجلة (الخام الأمريكي الخفيف) عتبة الـ78 دولاراً للبرميل في الفترة ذاتها، وهو يعد السعر الأعلى تاريخياً منذ بدء التداول في بورصة نيويورك NYMEX العام 1983.
وعلى الرغم من أن الأسعار أخذت بالتراجع التدريجي أواخر عام 2006 لارتفاع المخزونات التجارية، خصوصاً وقود التدفئة. مع اعتدال المناخ في نصف الكرة الغربي، ليستقر عند نحو 58 دولاراً للبرميل، فإن التقلبات الحادة في الأسعار (صعوداً أو نزولاً) خلال الفترة 2000 – 2006 تبقى جديرة بالاهتمام والدراسة.
وهناك أسباب عدة وراء حالة عدم الاسقرار التي شهدتها أسواق النفط العالمية، سنعرض لها على النحو التالي:
أولاً: العامل الاقتصادي:
يُعد النمو الاقتصادي المحرك الرئيسي لنمو الطلب العالمي على النفط، وقد بلغ متوسطه في العقود القليلة الماضية معدلاً تراوح بين 3.5 و4 % سنوياً غير أن النمو المطرد في الاقتصاد العالمي في مطلع القرن الحادي والعشرين كان لافتاً، وبلغ ذروته العام 2004 بمتوسط وصل إلى 5 %، وهو مستوى لم يتحقق منذ أواخر ستينيات القرن الماضي ومطلع سبعينياته. وعمل النمو الاقتصادي على حدوث زيادة كبيرة في الطلب، خصوصاً في الصين، كما ازداد الطلب في الدول الآسيوية الواعدة الأخرى كالهند، بالإضافة إلى الزيادة الكبيرة الولايات المتحدة الأميركية التي ارتفع استهلاكها من 20.1 مليون برميل يومياً العام 2003 إلى 20.7 مليون يومياً العام 2004.
وعملت الزيادات الكبيرة في الطلب على النفط على استيعاب الطاقة الفائضة من الإمدادات في الأسواق، خصوصاً أن أغلب الأقطار المنتجة للنفط كانت تضخ بطاقتها القصوى.
ثانياً: العوامل الفنية:
لما كانت الصناعة النفطية هي صناعة على درجة كبيرة من التعقيد وذات نُظم فنية متكاملة، فإن بمقدورها، في حال توافر طاقة فائضة في نظم الإنتاج والتكرير والتوزيع، استيعاب ومقابلة الاضطرابات التي تحصل ضمن حلقة الإنتاج، أما في ظل غياب الطاقات الفائضة، فإن أي اضطراب قد يؤدي إلى خلق ارتباك كبير في الاسواق، وإلى تأثر الأسعار نتيجة لذلك.
ومن التطورات الفنية التي ضغطت على الأسعار حادث التسرب الذي شهدته اليابان في مفاعلاتها النووية التي تغذي شبكات الطاقة فيها، ما دفعها إلى تعليق العمل بكل المنشآت النووية العاملة، البالغ عددها 17 مفاعلاً، والاستعنة بدلا من ذلك بالنفط، ما زاد من وارداتها بواقع 200 ألف برميل يومياً.
إن التآكل في الطاقة الفائضة خلال الفترة 2003 إلى 2005 كان سبباً محورياً في الاضطرابات التي شهدتها أسواق النفط العالمية، حيث لم تزد في تلك الفترة على 600 ألف برميل يومياً، أغلبها من النفوط الثقيلة، التي لا تقوى العديد من المصافي على معالجتها.
وما زاد الطين بلّة، العوامل المناخية، إذ ضرب إعصار ايفان عام 2004 وإعصارا كاترينا وريتا العام 2005 ساحل خليج المكسيك في الولايات المتحدة، ما قاد إلى "إزاحة" 1.5 مليون برميل يومياً من إنتاج النفط الخام و20 في المائة من طاقات التكرير الأميركية.
وفاقم من كل ذلك الاختناقات التي شهدتها مصافي التكرير في الدول الصناعية، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية التي لم تشهد بناء مصفاة جديدة منذ العام 1976، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المشتقات، خصوصا البنزين الذي وصل سعره إلى 3 دولارات للغالون الواحد، علماً بأنه لم يكن يتجاوز الـ1.5 دولار العام 2003.
ثالثاً: العوامل الجيوسياسية:
لعبت العوامل الجيوسياسية دوراً كبيراً في رفع الأسعار إلى مستويات قياسية خلال عامي 2005 و2006، ولعل من أبرزها قضية المفاعل النووي الإيراني والتهديد بوقف الإمدادات، الأمر الذي ما فتئت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تلوّح به، إذا ما فرضت الدول الغربية عقوبات اقتصادية عليها. ومن العوامل الجيوسياسية الأخرى استمرار حالة عدم الاستقرار في العراق والهجمات التي طالت العديد من المنشآت والبنى التحتية. ما جعل عودة الإنتاج العراقي إلى مستوياته السابقة البالغة 2.8 مليون برميل يوميا من الصعوبة بمكان.
وفي فنزويلا عملت الاضطرابات العمالية، احتجاجاً على ترشح الرئيس شافيز لولاية رئاسية ثانية، على وقف الإنتاج الفنزويلي لعدة أشهر. كما شهدت نيجيريا اضطرابات عديدة اججها ثوار دلتا النيجر وما أثر في مستوى الإنتاج في أكبر دولة افريقية منتجة للنفط.
ويرى العديد من المراقبين أن سعر البرميل الذي لامس حاجز الـ80 دولاراً في بعض المراحل هو سعر مصطنع لا يعكس أساسيات السوق من عرض وطلب، بل مرده إلى العوامل النفسية التي تخلقها الاضطرابات الجيوسياسية، وما تولده من حالة عدم اليقين والاستقرار في السوق، ومن هنا ميل العديد من المراقبين للاعتقاد بأن سعر البرميل مُحمّل بما يتراوح بين 8 و10 دولارات، هو سعر "علاوة المخاطر" (Risk Premium).
بيد أن من أبرز المفارقات التي أفرزتها حالة عدم الاستقرار التي شهدتها الأسواق في النصف الأول من العقد الجديد هي ما سادها من حوار بين الدول المنتجة والدول المستهلكة من خلال عقد الندوات المؤتمرات، التي توجت في نوفمبر 2005 بإنشاء سكرتارية دائمة لمنتدى الطاقة العالمي في العاصمة السعودية الرياض، ضمت كل الفرقاء المعنيين في الصناعة النفطية لتقريب المواقف بين الدول المنتجة والدول المستهلكة. بما يعمل على توفير درجة أكبر من الاستقرار والشفافية في الأسواق العالمية.
* ملاحظات ختامية:
1 - ملامح خريطة طاقة جديدة تلوح في الأفق
يرى العديد من المراقبين أننا في خضم خريطة جديدة للطاقة أحد أهم ركائزها هو "الوقود الصخري" بشقيه النفط والغاز الصخريينShale Oil Gas بل يذهب البعض إلى أننا أمام ثورة حقيقية لانبلاج عصر جديد على حساب الوقود الاحفوري التقليدي. وهي ثورة ذات خصوصية اذ ما تزال أميركية الملامح يعزز من ذلك عاملين رئيسيين هما التكسير الهيدروليكي Hydraulic Fracking بالإضافة إلى تكنولوجية "الحفر الافقي" Horizontal Drilling وهما عاملان يمكن من خلالهما "إطلاق سراح" الغاز المكبوت داخل النتوءات الحجرية وتسويقه تجاريا. وهناك من يرى ان هذه "الثورة" ذات طابع أميركي صرف نظرا لأن القوانين هناك – بخلاف دول العالم – تسمح لملاك الأراضي الاحتفاظ بملكية باطن الارض بما تجود من " ثروات طبيعية".
إن الزيادة المطردة التي شهدتها الولايات المتحدة في غضون السنوات الخمس الماضية في إنتاج الطاقة امر يدعو للتوقف عنده قليلا، اذ ازداد إنتاج النفط الخام فيها – الذي كان يشهد تراجعا ملحوظا ما عزز من أنصار ما يعرف بـ"نظرية ذروة الإنتاج" Peak Oil ليصل إلى 8 ملايين برميل يوميا بزيادة قدرها 3 ملايين برميل يومياً مقارنة بمعدلاتها في منتصف العقد السابق ويشمل ذلك أيضا الاضافات من سوائل الغاز الطبيعي NGL (البروبان واليوتان) وقد تمكنت التقانة المشار اليها اعلاه من تحويل الولايات المتحدة من مستورد صاف للغاز الطبيعي إلى مصدر صاف له بل ان الشركات الأميركية تتطلع الآن للحصول على تصاريح من الحكومة الاتحادية في واشنطن بما يجيز لها المضي قدما في بناء محطات لتصدير الغاز الطبيعي المسال LNG بعد ان كان جل الاهتمام ينصب على بناء موانئ لاستقبال الناقلات المحملة بالغاز المستورد.
2.التداعيات على دول المنطقة:
وقد يسأل سائل ما هي التداعيات المحتملة لثورة الوقود الصخري؟  للاجابة على ذلك نقول ان هذه " الثورة " ستترك دون أدنى ريب بصماتها الواضحة على الدول النفطية المنتجة في الخليج العربي والدول الشرق الاوسطية المجاورة، إذ إن ذلك سيعني تقليل " درجة الاعتماد" لمقابلة الطلب العالمي للنفط لا سيما الاستهلاك الأميركي منه، اذ تعد الأخيرة المستهلك الأول له عند 18 مليون برميل يوميا ما قد يترتب علية اعادة النظر في الحسابات الجيوسياسية للولايات المتحدة لا سيما وان إدارة أوباما – وفق ما أميط اللثام عنه مؤخرا –تميل إلى التوجه نحو الدول الآسيوية في المحيط الهادي Pivot Asia يعزز من هذا التطلع انسحاب قواتها من العراق وقرب جلاء قطاعتها العسكرية المرابطة في أفغانستان. بيد ان ذلك يجب ان لا يجرنا للاعتقاد بان الولايات المتحدة عاقدة العزم على " التخلي" عن حلفائها العرب في المنطقة اذ يبقى التدفق الامن للامدادات – رغم الطفرة الكبيرة في الإنتاج الأميركي –ديدن سياستها الخارجية وضمن سلم اولوياتها ويستوي في ذلك تقييم الحزبين الديمقراطي والجمهوري سواء بسواء.
3.السوق النفطية تدخل حقبة جديدة:
يعكس التراجع الكبير في أسعار النفط منذ الصيف تغييرات هيكليّة مهمة في السوق النفطية التي تدخل حقبة يسجل فيها العرض نمواً أقوى من الطلب.
وفي وقت تراجعت أسعار النفط بمقدار نصف قيمتها منذ منتصف حزيران الماضي، يُجمع كل المراقبين على الإقرار بأن السوق النفطية دخلت مرحلة جديدة.
وأوردت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الأخيرOil Market Report, أن "سنوات الأسعار المرتفعة (كان سعر نفط برنت يتراوح بشكل إجمالي بين 100 و120 دولارا منذ 2011) أتاحت لتكنولوجيات مبتكرة تحرير موارد هائلة في أميركا الشمالية وربما أيضاً في أماكن أخرى قريباً".
والمثال الأبرز على ذلك هو الولايات المتحدة التي انتقلت من متوسط إنتاج قدره خمسة ملايين برميل في اليوم عام 2008 إلى حوالي 8,4 مليون برميل في اليوم خلال الأشهر الثماني الأولى من هذه السنة بفضل استغلال نفط الصخري.
ومن المتوقع أن يصل هذا الإنتاج إلى 9,5 مليون برميل في اليوم في العام 2015 وهذا النمو الهائل يوازي وفق حسابات خبراء الاقتصاد وصول منتج جديد للنفط بحجم العراق وقطر معاً إلى السوق.
إن الوفرة في المعروض يقابله تباطؤ في الطلب جراء تراجع النمو في الناتج المحلي الإجمالي في الصين ودول منطقة اليورو بالاضافة إلى ارتفاع سعر صرف الدولار الاميركي مقابل العملات الاجنبية الاخرى (اليورو) اذ ما زال النفط حتى هذه اللحظة مقوماً بالدولار – هذه العوامل مجتمعه عملت على حصول الانخفاض المطرد في الاسعار رغم القلاقل الجيوسياسية في دول الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، وهي عوامل كان عليها ان تؤدي إلى رفع الاسعار لا خفضها.
4.الموازنة العامة في الدول المنتجة للنفط:
يطرح تراجع أسعار النفط مشكلة كبيرة بالنسبة إلى العديد من الدول المنتجة التي تحتاج إلى سعر مرتفع من اجل تمويل نفقاتها.
وقد حذرت الوكالة الدولية للطاقة من أن "العديد من الدول المنتجة لديها أسعار توازن للميزانية أعلى بكثير من الأسعار الفعلية للنفط. ومع أن ذلك لا يجعل بالضرورة إنتاج النفط غير مربح إلا انه يمكن أن ينطوي على آثار سلبية بالنسبة للأسقرار الاجتماعي ويؤثر بالتالي بشكل غير مباشر على آفاق الإنتاج".
خلاصة القول، تشير معطيات العرض والطلب الحالية إلى ان الاسعار ستشهد تذبذبات كبيرة قبل ان تصل إلى "القاع" لتعاود ارتفاعها خلال النصف الثاني من العام 2015 وعند نطاق سعري (خام برنت) يتراوح بين 65 إلى 70 دولاراً للبرميل، وهو سعر التعادل لتحقيق الارباح الاستثمارية للتنقيب عن الوقود الصخري للولايات المتحدة الاميركية، كما يمثل كلفة الانتاج في روسيا الاتحادية. كما أن دول الخليج العربية يمكنها ان تتعامل مع أسعارتقلعن متوسط لـ 100 دولاراً التي سادت في الاعوام الماضية في ظل الارصدة المتراكمة لديها في "صناديق الثروة السيادية" والتي تربو على 2.4 ترليون دولار،في حين بلغت قيم الفوائض في ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي العام 2013 نحو 146 مليار دولار. اما المستفيد الاكبر من هبوط الأسعار فهي الدول المستوردة، لاسيما دولنا العربية مثل مصر والاردن ولبنان؛ حيث تستنزف فاتورة النفط فيها موازنتها العامة ما يمكنها من المضي قدماً في سياسة رفع الدعم وترشيد الاستهلاك.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق