مروان المعشر

هي حرب قيمية فكرية بامتياز

تم نشره في الخميس 5 شباط / فبراير 2015. 12:07 صباحاً

لا يجوز أن يمر استشهاد البطل معاذ الكساسبة من دون أن يتم استخلاص العبر المناسبة، وتحويل هذا الحزن الوطني الشامل إلى قوة إيجابية؛ تساعدنا على تخطي هذه المرحلة الصعبة، والمساهمة في تأسيس مستقبل تنويري مشرق.
العبرة الأولى، تتمثل في هذا التلاحم العفوي بين الأردنيين والأردنيات، ووقوفهم صفا واحدا لمجابهة أي محنة وطنية تصيبهم. إذ لم يكن الأردنيون والأردنيات بحاجة إلى من يوجههم لفعل ذلك، بل نشهد اليوم حالة عفوية من الاصطفاف الوطني، هي ترجمة صادقة لطبيعة هذا الشعب الطيب الذي مهما تعددت آراؤه وتشعبت، فإنه لا يختلف عند الحاجة للوقوف أمام أي خطر يتهدد الوطن.
هذه ميزة يجب التوقف عندها ملياً، لأنها ستساهم كثيراً في تحصين الجبهة الداخلية أمام التحديات المستقبلية التي ما تزال عديدة، ولأن هذا الاصطفاف الوطني يثبت أن الأردنيين والأردنيات قادرون على مواجهة هذه التحديات بقلب واحد.
أما العبرة الثانية، فتبدو في وجوب الاصطفاف وراء جلالة الملك وما نادى به دائماً، بأن الحرب ضد "داعش" هي حربنا؛ وأنه بغض النظر عمن يشارك في هذه الحرب، أو كونها خارج حدودنا (وهي الأعذار التي ساقها البعض لمعارضة مشاركتنا فيها)، فإن الجانب العسكري في هذه المواجهة لا يمثل إلا جزءا من مواجهة أكبر. ما يقوله دائماً جلالة الملك هو عين الحقيقة؛ فهذه معركة قيم لتحديد من يمثل حضارتنا وديننا وقيمنا التمثيل الصحيح؛ "داعش" أم نحن؟ هذا هو السؤال الرئيس الذي يتوجب على كل واحد منا الإجابة عنه. فإذا كنا نرفض همجية وبربرية "داعش"، ولا يساورني شك في ذلك، فإنه لم يعد مقبولا أن نكتفي بالرفض والغضب والمطالبة بالثأر. على الجميع واجب وطني في تحويل المحنة إلى أمل، والموت إلى حياة، والغضب إلى بناء.
لقد أثبت الأردنيون والأردنيات، كما هي حالهم دائماً، أنهم جديرون بالثقة حين يتعلق الموضوع بمستقبل بلدهم. وتستطيع الحكومة، أي حكومة، توظيف ذلك من أجل وضع اللبنات اللازمة التي تمكننا، فعلا لا لفظا، من مواجهة الفكر الظلامي بالفكر المستنير، بكل ما يعنيه ذلك من وضع الأسس الضرورية لبناء المجتمع الذي نادى وينادي به جلالة الملك من خلال الأوراق النقاشية التي أصدرها، ومن خلال موقفه الواضح بأن هذه حربنا لإرساء قيم التعددية والانفتاح واحترام الفرد والرأي.
مطلوب اليوم تكاتف الجميع لبناء هذا المستقبل. ولا يعني ذلك اتفاق الآراء كافة؛ فهذا غير صحي وغير مطلوب. لكنه يعني توظيف اللُحمة الوطنية التي نشهدها جميعا، لمساعدة جلالة الملك، بل مساعدة أنفسنا، في التخلص من كل فكر ظلامي، والانتقال المنهجي نحو المجتمع التنويري بحق.
رحمة الله على شهيد الأمة البطل معاذ الكساسبة. وأتمنى أن نعدك بالتصميم على هذا الجهد الوطني الذي سيستغرق عقودا من العمل الشاق؛ وأن نعدك بأن لا يذهب استشهادك من دون أن نستخدمه لبنة أخرى في بناء هذا الوطن الحبيب.

التعليق