لا يعذب بالنار إلا رب النار

تم نشره في الجمعة 6 شباط / فبراير 2015. 01:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

عجيب أمر قوم يتركون صريح القرآن والسُنّة، ويلجأون إلى أقوال يشوهونها لبعض علماء الإسلام، لتسويغ ما اقترفته أيديهم! ينكلون بأهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، تماما كما فعل خوارج الأمس! وقد بيّن حالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نُزعت الرحمة من قلوبهم، وغلب الجهل على حالهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، يحقر أحدنا صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم؛ عبّاد وقرّاء ولكن على جهل، لا يدركون مآلات الأمور ولا يرتبون الأولويات، ويقتلون بالشبهات ويبتعدون عن المكرمات.
خرجوا قديما على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، حين طلب جيش معاوية التحكيم، فرفع المصاحف على الرماح، فقبل علي ذلك. لكن هؤلاء قالوا: "إن الحكم إلا لله"، أي لا يجوز أن نتحاكم معهم بل السيف يحكم بيننا. عندها أدرك أمير المؤمنين مرادهم وقال: "كلمة حق أُريد بها باطل". وأرسل إليهم ابن عباس يجادلهم. ومن مجادلته لهم أن الله شرع التحكيم للإصلاح بين الأزواج، أفلا نقبله لحقن دماء المسلمين؟! وهكذا رجع عدد منهم إلى الجادة، وبقي قوم على رأيهم، وبادروا بالقتل. فقتلوا عبدالله بن خباب بن الأرت، وبقروا بطن جاريته. عندها قاتلهم علي رضي الله عنه في حروراء.
وبعيدا عن تقييم الحرب المستعرة الآن، وتراكمات المؤامرات العالمية فيها، وواضح أن المخطط هو أن يكون الرابح الأكبر هم اليهود والغرب الحاقد؛ إلا أنني أقف عند معاملة الأسير بهذه الطريقة. فصريح القرآن يوجّه إلى حسن المعاملة. وحتى لو كان القرار قتله، فلا يجوز بالحرق؛ فهذا محرّم، بعيد كل البعد عن روح الإسلام الذي هو دين الرحمة. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة...". وحين مرت جنازة أمامه قام لها، فقيل له إنها جنازة يهودي. فقال: أليست نفسا؟! وبقي واقفا حتى توارت.
هكذا هي قيم الإسلام حين يقيم الاعتبارات للمعاني الإنسانية، وحين نستشعر عالمية الرسالة وما تتطلبه من رحابة الصدر وسعة الأفق. وهي المعاملة إياها التي عامل بها المسلمون أسراهم، فكانت معاملتهم لهم سببا في دخول بعضهم الإسلام؛ لأن واجب المسلم، كما قال صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ بحُجَزهم عن النار، أي يُبعدهم عن النار. ولكن فئة من المسلمين تحرق المسلم بالنار وتشرِّع هذا الأمر!
جاء في صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج، إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما". وبحث العلماء تحت هذا الحديث آراء كثيرة، حتى ما يتعلق بالحيوان. والراجح أن هذا النص من النبي صلى الله عليه وسلم شامل، وهو خبر يفيد النهي والتحريم.
إنها حرب كثرت فيها الرايات، وتنوعت الأهداف؛ فمن انتصار للمستضعفين المقهورين المكتوين بنار الظلم في سورية، إلى قتل للمجاهدين والمعارضين، لا لشيء إلا أنهم لم يبايعوا خليفتهم، فغدا هؤلاء عقبة حقيقية في مسيرة الجهاد التي سلكها أهل سورية. وهم إياهم الذين يقتلون أهل السُنّة في العراق، وقد زعموا أنهم جاؤوا نصرة لهم. ولم تسلم منهم حتى المساجد التي نسفوها بحجة وجود قبر فيها؛ أفلا يخرجون القبر بدل نسف المساجد؟! ولماذا هذه التصرفات ولم يعملها أحد من قبلهم أيام عزة الإسلام وقوته ورخائه؟! هل هم أحرص على هذا الدين ممن سبقهم؟!
الجهل داء ومصيبة حين يستحكم. ولا نريد لشبابنا أن يسيروا وراء السراب، أو يقاتلوا تحت راية عُمِّيَّة غير معروفة؛ فعن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني. ومن قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو يغضب لعصبية فقُتل فقِتلة جاهلية". فقد وصف الله حال المؤمنين بأنهم: "... أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..." (الفتح، الآية 29). ولكن يبدو أن المسألة بيننا هذه الأيام معكوسة. وفي آية أخرى، يصف الله المؤمنين الذين سيأتي بهم بعد حالة الردة العامة بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ..." (المائدة، الآية 54)، وابتدأ النص بالذلة على المؤمنين، لأنها الصفة المفقودة حينها. فما أحوجنا أن يلين بعضنا لبعض. وحين يكون التواضع للمؤمنين والحب بينهم، تكون العزة على الكافرين تلقائيا.
إننا بحاجة إلى وعي وفهم، وبحاجة إلى تغليب قيم الرحمة، ولنفوّت على أعدائنا ما يريدونه من اقتتال وانشغال بأنفسنا. ولا بد من تراصّ الصفوف ودرء الفتن ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. وعلى المسلم أن يبتعد عن الشبهات، فضلا عن أن يلج في المحرمات، خاصة الدماء أو تكفير الناس. وهذا الدين واضح لا لبس فيه؛ فالحق أبلج والباطل لجلج. وهذا الدين منتصر ولو بعد حين. وعلى الأمة أن تتهيأ لسلوك سبل العزة وعيا ودعوة وفكرا ومعاملة، لا بفوضى القتل وإعطاء الصورة المشوّهة لهذا الدين، وتنفير الناس منه. فالفهم الفهم يا أمة الإسلام.

*أكاديمي أردني

التعليق