"داعش" تخسر في العراق.. ماذا بعد ذلك؟

تم نشره في الاثنين 9 شباط / فبراير 2015. 01:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 9 شباط / فبراير 2015. 11:01 صباحاً
  • رجل ينظر إلى منزل مدمر في العراق - (أرشيفية)

كينيث بولاك* - (النيويورك تايمز) 4/2/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

واشنطن- في العراق، تبدو الأخبار الجيدة وأنها تأتي مختلطة مع الأخبار السيئة. تأتي الأخبار الجيدة راهناً في جزئها الضخم من الجبهة العسكرية. ويبدو أن القوات العراقية والكردية والأميركية آخذة في قلب وجهة المد بالنسبة لمجموعة "الدولة الإسلامية" التي تعرف أيضاً باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش".
لقد ألحقت العمليات الجوية الأميركية خسائر فادحة بالمجموعة -قاتلة مقاتليها ومدمرة معداتها وقاطعة أوصال قيادتها ومعيقة تحركاتها. ونتيجة لذلك، أصبحت مجموعة "الدولة الإسلامية" تتخذ الخط الدفاعي أكثر وأكثر. ولم تقم المجموعة بتنفيذ أي غزوات كبيرة منذ الصيف الماضي. وخلال الشهر الماضي، شنت هجوماً رئيسياً واحداً فقط في غربي محافظة الأنبار، لكنها لم تحقق سوى مكاسب متواضعة.
في الأثناء، يقول لي مسؤولون عسكرية أميركيون في العراق إنهم على ثقة من أن جيشاً عراقياً مجدداً وصغيراً سيكون مستعداً لبدء عمليات عسكرية كبيرة لاستعادة العراق من قبضة "الدولة الإسلامية" في غضون الأشهر الأربعة إلى الثمانية المقبلة. وكانت القوات الكردية والعراقية قد أمنت بغداد ومحيطها في جزئها الأكبر، كما حققت مكاسب في مدينتي بيجي وسامراء، وقطعت الطريق التي كانت مجموعة "الدولة الإسلامية" تمون من خلالها حاميتها في الموصل انطلاقاً من قاعدتها في سورية، فضلاً عن أنها تطوق الموصل نفسها. وفي غضون فترة تتراوح بين ستة وثمانية عشر شهراً، قد يتم طرد "الدولة الإسلامية" من العراق كلية.
من شأن ذلك أن يبدو جيداً جداً -وتحولاً مثيراً للدهشة بالمقارنة مع ستة أشهر خلت عندما اكتسحت "الدولة الإسلامية" شمالي العراق كقوة ماحقة لا ترد. لكن المشكلة تكمن في أن التقدم السياسي في العراق لا يواكب خطى الحملة العسكرية. وفي الحقيقة، ما تزال المصالحة السياسية بين الطائفتين، السنية والشيعية، تراوح مكانها. ومن الممكن أن يتحول انتصار عسكري يتحقق في ظل هذه الظروف إلى "نجاح كارثي".
ما تزال الطائفتان، السنية والشيعية، في العراق، مقيدتين بقيد عدم وجود الثقة بينهما منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين الطائفتين في الأعوام 2006-2008، والتي سعرت أوارها الطريقة العنيفة التي تعامل بها رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي (شيعي) مع الطائفة السنية في الفترة من العام 2010 وحتى العام 2014، وما تبع ذلك من تبني السنة لمجموعة "الدولة الإسلامية".
وتجدر الإشارة هنا إلى أن القوات الأمنية العراقية الحكومية (الجيش والشرطة على حد سواء) تتكون في سوادها الأعظم من الشيعة. وفي الأثناء، أقدم رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، على عمل بطولي حين استبدل العديد من الموالين الشيعة والمأجورين السياسيين على رأس سلسلة القيادة العسكرية بضباط أكثر كفاءة، بمن فيهم العديد من السنة. لكن المرتبات المنخرطة في الخدمة والضباط الصغار ما يزالون من الشيعة على نحو غير متكافئ.
بالإضافة إلى ذلك، والأهم، هو أن العديد من الغزوات الأخيرة في العراق نفذتها وكسبتها الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً. ولا تحب الحكومة العراقية أن تقر بذلك، لكن هذه الميليشيات الشيعية هي التي غالباً ما تقود الهجمات العراقية وتشكل العمود الفقري لدفاعاتها. وفي ضوء هذه الظروف، من الممكن أن تكون العمليات الهجومية في داخل الأراضي الأم السنية -محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين- كارثية.
يشعر المواطنون السنة بالخوف الشديد من تقارير تفيد بأن القوات والميليشيات الشيعية تنفذ عمليات تطهير إثنية وحشية. ومن دون اتفاقية جديدة لاقتسام السلطة وتعهدات بأنهم لن تساء معاملتهم وبرنامج لإعادة الإعمار، فقد ينظر السنة إلى القوات الحكومية العراقية (وحتى الأكراد) لا كقوات تحرير، وإنما كقوات جيش شيعي غازٍ. وإذا كان هذا هو واقع الحال، فإنهم سوف يدافعون عن "الدولة الإسلامية". وحتى لو هزمت المجموعة، فإنهم سيقاومون القوات الشيعية. وبذلك، لن ينهي النصر العسكري الحرب الأهلية العراقية التي تستعر على نار هادئة، بل إنه سيزيدها اشتعالاً.
لسوء الطالع، هناك احتمال ضئيل لأن يتوصل العراقيون إلى مصالحة لتفادي الخطر الكارثي الذي سينجم عن نجاحهم وحدهم. ولا شك في أن السيد العبادي هو رجل جيد في وضع صعب. فهو يتفهم أهمية تحقيق المصالحة السياسية، لكنه مقيد بشكل سيئ من حيث قدرته على تحقيقها.
ثمة العديد من القادة الشيعة الأكثر أهمية والذين يعارضون المصالحة لأنهم لا يثقون في السنة. وثمة آخرون سيعيقون أي شيء يفعله السيد العبادي حتى يتمكنوا من إضعافه والاستيلاء على منصبه. ولا يغيب عن البال أن السيد العبادي مقيد أكثر من جانب إيران التي تبدو مهتمة بالمصالحة، وإنما وفقاً لشروطها الخاصة.
ومن جهتها، تبدو القادة السنية مفككة الأوصال ومتشظية نتيجة لحملة السيد المالكي ضدها. ويتملص العديد من القادة الشيعة من الدعوات التي توجه للتوصل إلى تسوية مع السنة عبر الادعاء بأنه لا يوجد شريك سني قوي وشرعي للتفاوض معه. لكن الحكومة لا تفعل ما فيه الكفاية لمساعدة السنة في توحيد صفوفهم. ورغم ادعاءات بغداد عكس ذلك، فثمة القليل من مد اليد إلى القبائل السنية.
لن يتمكن العراقيون من حل هذه المشاكل من تلقاء أنفسهم. وعلى جهة ما ان تقدم لهم يد العون. وتلك الجهة لا يمكن أن تكون أي أحد سوى الولايات المتحدة.
ما تزال الولايات المتحدة تتمتع بالمصداقية لدى العراقيين لأننا انسحبنا بالاحتفال نفسه في العام 2008، مهدئين العراق عسكرياً وواضعينه على طريق الاستقرار السياسي (ولو حتى بعد أخطاء كارثية دفعت العراق إلى أتون حرب أهلية في المقام الأول). ونحن البلد الوحيد الذي يستطيع القيام بالمهمة والذي يجب أن يقوم بها، وإلا فإن العراق سيهوي مرة أخرى، وسيكون قرار الرئيس أوباما الجريء بإعادة الالتزام بالعراق غير ذي جدوى.
يجب على البيت الأبيض تعيين ممثل رفيع المستوى للاضطلاع بهذا التحدث، مثل سفير الولايات المتحدة لدى العراق، ستيوارت جونز، أو أي دبلوماسي آخر يتوافر على خبرة في الشؤون العراقية، مثل بريت ماكغارك، المبعوث الآن لدى الائتلاف العالمي الذي يقاتل مجموعة "الدولة الإسلامية".
يجب على هذا الممثل أن يخدم كوسيط يجلب السنة والشيعة العراقيين سوية من أجل وضع ترتيب جديد لاقتسام السلطة، ولتأسيس الآليات الخاصة بإعادة غزو الأراضي السنية المفقودة. ومع ذلك، ونظراً لتشظي القيادة السنية، فإنه ربما يترتب على الممثل الأميركي العمل كبديل لها في المفاوضات. وهذا ما كان السفير الأميركي في بغداد، ريان كروكر، قد فعله بالضبط في العامين 2007/2008.
أخيراً، سوف يحتاج الممثل الأميركي على الأرجح إلى بعض وسائل الضغط الإضافية لتأمين صفقة. وإذا كانت واشنطن راغبة في توفير تدريب عسكري إضافي ومعدات صلبة وقوات دعم، بالإضافة إلى مساعدة دبلوماسية وتقنية ومالية واقتصادية مستهدفة، فإنه سيستطيع عندها إقناع العراقيين السنة والشيعة على حد سواء بقبول ما هو أقل من بعضهما بعضا، على أساس توقع الحصول على المزيد من الولايات المتحدة.
لقد أفرزت رغبة السيد أوباما في الالتزام بالعراق نتائج مهمة، لكن الانتصارات العسكرية التي أنجزت من الممكن أن تتمخض عن نتائج عكسية إذا لم يتم استكمال التقدم العسكري على نحو متواكب بالمصالحة السياسية.
سوف يكون القيام بذلك صعباً، لكنه ليس مستحيلاً. وسيكون إنجازه ضرورياً إذا أردنا أن نحول مكاسب ميدان المعركة ضد "الدولة الإسلامية" إلى انجازات سياسية دائمة.

*زميل رفيع في معهد بروكينغز، آخر كتاب له هو "ما لا يمكن تصوره: إيران والقنبلة والاستراتيجية الأميركية".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: ISIS is Losing in Iraq. But what Happens Next

abdrahaman.alhuseini@algjad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق