الرجال الذين يحبون "الدولة الإسلامية"

تم نشره في الثلاثاء 10 شباط / فبراير 2015. 01:00 صباحاً
  • رسم غرافيتي يستلهم علم "داعش" على حائط في الأردن - (أرشيفية)

ديفيد كينر -  (فورين بوليسي) 4/2/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الزرقاء، الأردن- تتكون المجموعة من ستة رجال، تتراوح أعمارهم بين أواسط العشرينيات والأربعينيات، وهم حليقو اللحى، بشعر أملس مسرّح إلى الوراء. ومع جولات عدة من شرب القهوة والشاي مع التمر والبسكويت، يتحدث هؤلاء الرجال عن حياتهم في هذه المدينة التي يضربها الفقر، الواقعة إلى الشمال الشرقي من عمان، ويحاضرون عن الدور الهدام الذي تلعبه الولايات المتحدة وإسرائيل في سياسة الشرق، ثم يضحكون عندما يصفون لي تعاطي المخدرات في الحي، ويتحدثون عن رموزهم المفضلة في الثقافة الشعبية الغربية. قال لي أحد الشباب: "سميتك ديفيد في رأسي حتى قبل أن أعرف أن اسمك هو ديفيد. ديفيد، مثل ديفيد بيكهام!".
ومع ذلك، عندما سألت عمن من المجموعة يعتقد أن العاملين في مجلة "تشارلي إيبدو" استحقوا إطلاق النار عليهم، قوبلت بجوقة من الرؤوس التي تطرق موافقة. كانوا جميعاً، وكل واحد منهم، يعتقدون أن مقتل 12 شخصاً في باريس يوم 7 كانون الثاني (يناير) في باريس كان فعلاً مبرراً. فبعد كل شيء، وجهت المجلة إهانات للنبي، كما قالوا.
تشكل مدينة الزرقاء واحدة من أهم بؤر التطرف الإسلامي في البلد. هذه المدينة، التي تتكون أساساً من الأزقة المتلوية والمباني السكنية الإسمنتية بالية المظهر، كانت مهد زعيم تنظيم القاعدة في العراق سيئ السمعة، أبو مصعب الزرقاوي. وقد أشار مضيفنا، الذي قدم نفسه باسم "أبو العبد" في المسافة عبر الشوارع الضيقة إلى منزل عائلة الزرقاوي.
لعب الأردن دوراً نشطاً في التحالف الدولي ضد "الدولة الإسلامية"؛ حيث قام بتوجيه ضربات جوية ضد الجماعة الجهادية في سورية، في حين ظل يتصارع مع أقلية راديكالية في الوطن نفسه. ويقدر المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، وهو مؤسسة بحثية مقرها لندن، أن نحو 1.500 أردني سافروا للقتال مع الجهاديين في سورية والعراق. ورغم أن حكومة البلد هي حليف قوي للولايات المتحدة، فإن شعبها مناهض للولايات المتحدة إلى حد كبير: فوفقاً لاستطلاع للرأي أعده مركز بيو للأبحاث في العام 2014، كان لدى 12 % فقط من الأردنيين رأي إيجابي في الولايات المتحدة.
قال جهاد (43 عاماً)، في إشارة إلى أولئك الذين انضموا إلى كل من "داعش" و"جبهة النصرة" التابعة لتنظيم القاعدة، من أجل القتال في سورية والعراق: "إنهم أصدقاؤنا وجيراننا. وأداء فريضة الجهاد واجب ديني".
كان جهاد يعمل تاجر مخدرات؛ وقال إنه أمضى سبع سنوات في السجن بعد أن عثرت الشرطة على حزم من الماريوانا في منزله. لكنه عندما سئل عما اذا كان سيرحب بـ"داعش" ونسختها القاسية من الشريعة الإسلامية في الأردن، هز رأسه: "إذا كانوا صالحين".
يوم 3 شباط (فبراير) الحالي، أطلق تنظيم "الدولة الإسلامية" الفيديو المروع الذي عرض مشهداً لإحراق الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة حياً في قفص مصنوع كيفما اتفق. وأكدت الحكومة الأردنية أن الطيار الذي تحطمت طائرته بينما كانت تحلق في مهمة فوق محافظة الرقة في شمال سورية كجزء من عمليات تحالف محاربة "الدولة الإسلامية"، قد قتل، وقالت إنه أعدم في 3 كانون الثاني (يناير) الماضي.
ولكن، بدلاً من هؤلاء الجزارين المتطرفين الذين يعملون على بعد مئات أميال إلى الشمال، ربما يكون هؤلاء الرجال في الزرقاء هم الذين يشكلون تهديدا أكبر للحكومة الأردنية.
يقول طاهر المصري، رئيس الوزراء الأردني الأسبق: "أنا عن نفسي، لست قلقا كثيراً من تهديد داعش القادم من الخارج. لدينا جيش مدرب جيداً، وسيتعاملون معه كشأن عسكري. لكنه عندما يتعلق الأمر بالشعور، بالتعاطف (تجاه الجماعة الجهادية) -فإنه هنا، داخلياً، حيث أعتقد أننا يجب أن نتخذ المزيد من الإجراءات".
أظهر استطلاع للرأي نشر في أيلول (سبتمبر) أن 10 في المائة من سكان الأردن لم يعتبروا "الدولة الإسلامية" منظمة إرهابية -وهو رقم يرقى إلى ما يقرب من 500.000 من الأردنيين من عمر 15 سنة من العمر فما فوق. ومن المرجح أن يؤدي قتل الكساسبة إلى خفض الدعم الذي كانت تتمتع به "الدولة الإسلامية"، لكن ذلك الخفض ربما لا يكون جذرياً وفعالاً كما قد يفترض البعض. ويقوم أنصار الجهاديين بإنتاج الدعاية الخاصة بهم لتبرير الإعدام الوحشي، وسوف تستمر الحروب في العراق وسورية في إمداد المجموعات مثل "الدولة الإسلامية" بالوقود اللازم لإذكاء مشاعر الغضب في أوساط نظرائها السنة. وبعد كل شيء، لم تتشكل وجهات النظر العالمية للرجال المجتمعين حول هذه الطاولة في الزرقاء بتأثير وسائل الإعلام الغربية. وقد تحدث أحدهم بصوت عال ومطولاً عن كيف كان الإرهابيون من صناعة الولايات المتحدة وإسرائيل. وقال آخر إنه لا يصدق أن تنظيم "الدولة الإسلامية" يقطع رؤوس الناس.
ليست الإيديولوجية فقط هي التي تحرك هؤلاء الرجال في الزرقاء -إنه الفقر أيضاً. وتقف نسبة البطالة في الأردن بين المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و24 عاماً عند ما يقرب من 30 في المائة؛ وهي أعلى بين الرجال في هذا الحي الفقير بلا شك. وقد اشتكوا من تدفق السوريين إلى أحيائهم (قال وزير الخارجية الأردني مؤخراً إن اللاجئين الهاربين من الأزمات المجاورة أصبحوا يشكلون الآن 21 في المائة من سكان بلاده -وألقى باللوم عليها بالتقاط الوظائف الشحيحة وزيادة أسعار المساكن). كما تحدث الرجال بمرارة عما وصفوه بأنه الاضطهاد الذي يواجهونه من رجال الأمن، الذين قالوا إنهم يهينونهم بانتظام ويحبسونهم على مخالفات بسيطة.
يرى محمد (22 عاماً) الجهاديين باعتبارهم صاحب عمل محتمل أكثر من كونهم أقارب إيديولوجيين. وباعتباره متسرباً من المدرسة الثانوية وليست لديه فرص للعمل، فإنه يعيش "كل يوم على باب الله"، كما قال. هل سيفكر في الانضمام إلى المقاتلين في العراق وسورية، إذا كان ذلك سيعني راتباً ثابتاً؟ قال بنبرة هادئة: "قد أسرق، قد أقتل أحداً ما. إذا استمرت الأمور على هذا المنوال، سوف أفعل أي شيء".
على بعد يقل عن 20 ميلاً عن هذا المكان، يجلس طاهر المصري في منزله في عمان ويصف نضاله لإقناع الحكومة الأردنية بأن هزيمة التهديد الجهادي تحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد الرد العسكري. وكان السياسي منذ فترة طويلة رئيساً لمجلس الأعيان في الأردن، حتى تم استبداله في شهر تشرين الأول (أكتوبر). وقال: "أنا لا أعتقد أننا قد فعلنا الكثير لاستيعاب مظالم الناس ومكامن شكواهم، وهو أمر يحتاج إلى عملية كاملة وتخطيط استراتيجي. إننا لا نفعل ذلك".
وقال المصري إنه كان يدعو باستمرار إلى إجراء مراجعة شاملة للقوانين والمؤسسات في الأردن، مع الانتباه إلى قضية مكافحة التطرف المحلي. وفي مقابلته مع مجلة "فورين بوليسي"، دعا إلى إصلاح النظام التعليمي وإعادة النظر في القوانين التي تسمح لمئات الآلاف من العمال الأجانب بالقدوم إلى البلاد، حيث يأخذون الوظائف التي يمكن أن تذهب للأردنيين.
بعض المحاولات التي بذلتها الحكومة الأردنية لمكافحة رسالة "الدولة الإسلامية" الإيديولوجية كانت، في بعض الأحيان، غير مقنعة. ففي الشهر الماضي، وزعت وزارة التعليم كتيبات في المدارس الثانوية في جميع أنحاء البلاد بعنوان "رسالة مفتوحة إلى إبراهيم البدري، المعروف أيضا باسم البغدادي" زعيم "الدولة الإسلامية"، التي هدفت هذه الكتيبات إلى دحض إيديولوجيتها.
يحث الكتيب الذي جاء في 32 صفحة على عدم إيذاء المسيحيين والأيزيديين، في حين يذكِّر القراء الصغار أيضاً بأن تدنيس المقابر، والتعذيب، والاغتصاب هي أمور محرمة في الإسلام. ولكن، وفي حين أن رسالته قيمة بلا شك، فقد تم تقديمها باللغة الطنانة المخصوصة للفقه الإسلامي، والتي لا تكاد تروق للمراهقين الأردنيين. "هذا النص جامد وصعب القراءة"، يقول حسين الخزاعي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية في الأردن.
بالإضافة إلى ذلك، لن تغير هذه الكتيبات رأي مجموعة الرجال المجتمعين هنا في الزرقاء. لا أحد منهم بدا متديناً بشكل مخصوص: لم يتحول الحديث ولو مرة واحدة إلى مسائل الإيمان، ولم يتزحزح أي منهم من مقعده عندما ارتفع صوت النداء للصلاة. بدا أنهم مدفوعون بالغضب من الإهانات الكبيرة والصغيرة -بدءاً مما وصفه الرجال بمعاملة الشرطة لهم على أنهم مجرمون، وذهاباً إلى المذابح التي ترتكب في حق السنة في سورية والعراق- أكثر من كونهم مدفوعين بالتأويلات التفصيلية للنصوص الدينية.
لا يرى هؤلاء الرجال، على سبيل المثال، تناقضاً بين دعم نسخة الجهاديين المتشددة للشريعة الإسلامية، وبين الانطواء على حماس أساسي لفكرة الاستخدام الترفيهي للمخدرات.
قال جهاد، تاجر المخدرات السابق الذي يبدو أنه ترك المهنة: "اننا لا نتعاطى المخدرات، ولكننا نعرف الصفقات (ما يتعلق بكيفية الحصول على المخدرات بثمن رخيص)... وهكذا، فإننا عندما نريد ذلك، نستطيع الحصول عليه".
عند هذه النقطة، انفجرت مجموعة الرجال في نوبة من الضحك الصاخب، وبدأوا في تعداد العقارات الأكثر شيوعاً -الماريوانا، والأمفيتامين كبتاجون، وترامادول الأفيون. وروى جهاد قصة عن إعطاء أحد الأصدقاء الذي كان يعاني من أعراض الانسحاب "الترياق"، والذي تبين أنه كان المزيد من المخدرات.
تعالى ضحك الرجال وصخبهم، وللمرة الثانية تم نسيان كل شيء عن "الدولة الإسلامية". كان يمكن أن يكون ذلك حشداً من الأصدقاء المجتمعين في أي مكان في العالم.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The Men Who Love the Islamic State

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق