عيسى الشعيبي

قلب السحر على السَّحرة

تم نشره في الثلاثاء 10 شباط / فبراير 2015. 12:05 صباحاً

إذا لم تشكل الجريمة الإرهابية المروعة بحق الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، بما أحدثته من صدمة مذهلة وردود أفعال عالمية مستنكرة، أكثر بكثير من كل الجرائم المماثلة لها في السابق، فإن الفرصة قد تفلت من بين أيدي الجميع؛ كتّاباً ومفكرين، ورجال دولة وعلماء دين، وكل من خاطبهم هذا الفعل الشيطاني الآثم، إن لم ينهض كل هؤلاء إلى أخذ زمام المبادرة، واهتبال المناسبة المواتية، لإجراء مراجعة شاملة، معمقة وشجاعة، للخطاب الديني السائد في المجتمعات الإسلامية المكتوية بنار التطرف والعنف والإرهاب، أكثر من اي مجتمع آخر في القارات الخمس.
ومن المؤسف حقاً أن رسائل وعّاظ وخطباء وزارات الأوقاف في العالمين العربي والإسلامي، وغيرهم من الشخصيات الدينية المعتمدة للحض على الوسطية والتسامح والانفتاح، لا تصل إلى مسامع المتلقين في واقع الأمر، ولا تُؤخذ على محمل الجد عندما يتحدث هؤلاء السادة عبر وسائل الإعلام. وذلك بسبب عمق فجوة الثقة واتساعها بين الإعلام الرسمي بكل صوره وأشكاله، وبين جمهور وقع منذ زمن بعيد تحت تأثير فقهاء الظلام، الذين يتدفقون عليه من مختلف منابر الإفتاء المتزاحمة عبر الفضاء الإلكتروني، ويحاصرونه في المدارس والمناهج والمساجد والجامعات، وحدث ولا حرج عن الأحزاب الدينية والجماعات السلفية، وكل من يلبس لبوس الإسلام.
على أن أشد ما يدعو إلى الحيرة والارتباك، ما يصدر أحياناً من فتاوى، ظاهرها خير وفي باطنها العذاب، تجري على ألسنة رجال معممين متبحرين في الفقه وعلم الحديث، وذلك حين لا يسعفهم حسن اختيار الكلام المواتي للزمان والمكان المناسبين، إن لم نقل عندما تخونهم الفطنة في الدفع بالتي هي أقوم؛ إذ لا يستعيد هؤلاء من التراث الغني، ولا حتى من النص المقدس والأحاديث النبوية، غير ما يوغر الصدور، ويؤجج النفوس، ويبعث على الكراهية ويدعو إلى الانتقام، مع أن في هذا الموروث الهائل كنوز من الحكمة والتنوع والاعتدال.
ولعل أفضل مثال على ما نحن بصدده في هذا المقام، الفتوى الصادرة عن شيخ الأزهر، بإيقاع حد الحرابة على أعضاء "داعش" جراء فعلتهم النكراء بحق الشهيد معاذ. فقد استنكر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، العمل الإرهابي الخسيس. وهو استنكار صائب ومحق بكل تأكيد، إلا أنه عندما أفتى بعقوبة "أن يُقتلوا وأن يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف"، فإنه كان بذلك يدعو إلى إحياء عقوبة مختلف على حدودها بين الفقهاء، ولم يجر تطبيقها منذ قرون بعيدة، فما بالك بتطبيقها في عصر ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان.
وليس هناك أدنى شك في حسن نية شيخ الأزهر، صاحب المقام الديني الرفيع، والرئيس الأعلى لأهم مؤسسة إسلامية ترمز إلى الوسطية وفضيلة الاعتدال. كما ليس هناك أيضاً أي تشكيك في صحة استحقاق مثل هؤلاء القتلة لعقوبة الإعدام. غير أنه عندما تتم الدعوة إلى عمل من جنس عمل هؤلاء المولعين بالقتل الشنيع، والتخييط بمسلتهم الغليظة، فإننا بذلك نكون قد بدأنا نغمس من ذات الصحن، ننهل من المعين نفسه، ونتبارى وإياهم في المضمار الذي لا يتسع إلا لمثل هذه الفئة المتفلته من كل عقال، حتى لا نقول إننا بهذه الفتوى نسوغ لـ"داعش" سائر المقارفات.
بكلام آخر، فإن الدول لا تنتقم، وإنما تقتص من الاعداء، والدولة تحكم بالقانون وليس بالدين، ولا يمسها الروع وإنما تنزل أحكامها بحق القتلة بالعدل والقسطاط، تماماً على نحو ما قامت به الدولة الأردنية، صاحبة ولاية دم معاذ، من دون البحث عن أسانيد فقهية، من شأنها تأجيج المناخ المتأجج أصلاً بريح سموم إضافية، وتهيئة البيئة المحتقنة أساساً، بمزيد من العوامل التي ترفع من درجة الغليان.
لقد آن الأوان لتنقية هذا الخطاب الرائج من دون تأخير، ومن ثم القيام بعملية إصلاح ديني طال انتظارها. وهذه مهمة أولي الأمر والنهي دون غيرهم من أصحاب المرجعيات، خصوصاً بعد هذا التشويه الشديد لصورة العرب والمسلمين، وهذا الانتشار الهائل لظاهرة "الفوبيا" من الإسلام؛ إذ أدت ارتكابات مثل هؤلاء القتلة إلى اظهارنا كقوم متعطشين لسفك الدماء، وخلقت ترهات الناطقين باسم المذاهب والملل والنحل، أزمة لا سابق لها داخل الإسلام.

التعليق