موفق ملكاوي

الحرية للإعلام الوطني الراشد

تم نشره في الأربعاء 11 شباط / فبراير 2015. 01:06 صباحاً

التزام وطني واضح عبّر عنه الإعلام الأردني خلال أسابيع طويلة، تواصلت منذ الإعلان عن وقوع الطيار معاذ الكساسبة رهينة بيد تنظيم "داعش" الإرهابي، وصولا إلى إعدامه بطريقة بشعة، وما تلا ذلك من انتفاضة أردنية قوية دانت الفعل الإجرامي الإرهابي.
لعلّ الأردن لم يشهد أزمة مماثلة هزّت كيانه، وجعلته يقف مصدوما من قبل، مثل جريمة إعدام الشهيد الكساسبة، وتفجيرات عمان الإرهابية العام 2005. وفي الحادثتين، كان الإعلام الأردني سندا رئيساً ومهما لأجهزة الدولة لتبيان ضلال الفئة الباغية وغلوها، وعدم انتمائها إلى الإسلام أو الإنسانية.
ذلك الالتزام تجلى بأبهى صوره حين وقف الإعلام وراء القيادة والمؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة المختلفة في جميع خطواتها التصعيدية تجاه التنظيم الإرهابي، وإيراد الحقائق جميعها، إضافة إلى نشر وبث التحليلات التي تصب في الصالح العام، وحق الأردن في أن يطارد فلول التنظيم وصولا إلى مسحه هو وفكره الضال.
كل ذلك جاء من منطلق دوافع ذاتية، انحاز فيها الإعلام إلى المصلحة الوطنية العليا، غير عابئ بالسبوقات الصحفية، ولا قوانين المنافسة التي تفرض، أحيانا، نمطا آخر من التغطيات الصحفية تستند إلى مصلحة المؤسسة.
على مدار أكثر من شهر، هي مدة الأزمة التي عصفت بالأردن، تابعنا كثيرا من وسائل الإعلام الأردنية؛ صحفا ومواقع إلكترونية وفضائيات. لقد كان إعلاما وطنيا راشدا، وضع المصالح الوطنية في المقدمة. فهل يشفع له ذلك بأن تتم ترقيته من إعلام تحت وصاية الدولة وأذرعها المختلفة، إلى إعلام بالغ وراشد يمكن له أن يزِنَ الأمور، وتُترك له حرية التحرك والتصرف بعيدا عن الضغوطات؟
في القرن الواحد والعشرين، لا يجوز النظر إلى الإعلام الأردني على أنه "مشروع خائن"، أو أنه يتحيّن الفرص للخروج عن الصف الوطني وشقّه، أو لا يعي المصالح العليا للوطن، فهي أمور عفا عليها الزمن، وقد كان من الممكن أن يتهم بها إعلامنا في خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي.
اليوم، تحتاج الدولة الأردنية إلى وسائل الإعلام المختلفة لكي تحمل صوتها، وتدافع عن وجهة نظرها. ولا يمكن لهذا الإعلام أن يقوم بهذه المهمة إن كان مرعوبا، ويشعر أن أذرع الدولة تريد أن تقتنص أي فرصة للنيل منه.
الدولة تحتاج الإعلام على اختلاف مشاربه وتوجهاته، خصوصا أن فرضية "إعلام الدولة الرسمي" قد سقطت، وهو الإعلام الذي لم يستطع أن يحمل وجهة النظر الرسمية، فهو أيضا إعلام مرعوب، لا يريد لنفسه أن يخرج عن النص، فالمناصب يتم توزيعها من قبل الدولة، وتغييرها من أسهل الأمور وأحبها إلى أذرعها.
إن قضية الكساسبة واستشهاده، يجب أن لا تمرّ من دون أن تغيّر شيئا في الداخل الأردني. فكما أنها كشفت عن إعلام نقي وراشد، فيجب، كذلك، أن تكشف عن الحاجة إلى إعطاء هذا الإعلام حرية وفضاء أكبر للتحرك، من دون أن تسلط على رقبته قوانين مثبطة وظالمة.
نعم، نريد مزيدا من الحرية لهذا الإعلام، ولكننا لا نطالب بالانفلات؛ فمن يتجرأ على كسر القانون أو إثارة النعرات أو التصيّد أو التجييش لمصالح فئوية أو حزبية أو إقليمية، ليكن القانون له بالمرصاد.

التعليق