"يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون"

تم نشره في الجمعة 13 شباط / فبراير 2015. 12:00 صباحاً

د. محمد خازر المجالي

في مقال سابق حول "عمل الخير"، استشهدت بهذه الآية، ومررت بها مرور الكرام. لكنني بعد أن دققت النظر فيها، وجدت بعض ما ينبغي إظهاره في روعة القرآن، وذلك حين يذكر الله تعالى فعل الخير في سياق العبادات؛ حيث الركوع والسجود خصوصا، والعبادة عموما، ومعها فعل الخير مطلقا، ولتكون هذه كلها وسائل الفلاح الذي يتطلع إليه كل مسلم. وبعدها الحديث عن الجهاد والشهادة على الأمم. وهي أمور عظيمة لا ينالها إلا الذين تأهّلوا للمعالي، وسموا بأنفسهم.
إنها سورة الحج الجامعة بين خصائص قسمي القرآن؛ المكي والمدني. فهناك الابتداء بمشاهد القيامة، والحديث عن خلق الإنسان ومآلاته، وحديث عن أصناف من الناس وأوصافهم، وحديث عن الحج وبعض أحكامه، وحديث عن الجهاد وبعض مقدماته وغاياته، وحديث عن الكفر والكافرين وبعض أقوالهم ومكرهم، ومعهم الشيطان زعيمهم وموجههم. ولا تغيب آثار القدرة الإلهية عن كثير من الآيات، إلى أن تأتي الخاتمة حيث قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ" (الحج، الآيتان 77 و78).
وأول ما أبدأ به هو موقع "فعل الخير" بين آيات العبادة، بمفهوميها الخاص والعام من جهة، والجهاد والشهادة على الأمم من جهة أخرى، وكأن الله تعالى يقول لنا أن لا نستهين بفعل الخير؛ فهو لا يقل أهمية عن العبادات نفسها، وهو مقدمة الجهاد، بل حق الجهاد. وما جاء الوصف "حق جهاده" إلا هنا، كما جاء في سورة آل عمران "حق تقاته". ففعل الخير ميدان عظيم، له آثاره التي تهيئ المسلم مع العبادات للتضحية، وهي المؤهل الرئيس للنفس للجهاد في سبيل الله تعالى. ولا يقف الأمر هنا فقط، بل يقود الأمة كلها لأن تكون أمة الشهادة على الأمم كلها.
إنه "فعل الخير" هكذا على إطلاقه. والخير هو كل ما حث الشرع على فعله، مما يجعل النفس مشرقة والروح متألقة، حين تسمو إنسانية الإنسان ويقوم بدوره الريادي. فالعبادة بينه وبين الله تعالى، بينما فعل الخير عموما يجعله صاحب عطاء ويحببه إلى الناس؛ فهي المعاملة الطيبة التي يحرص الإسلام عليها أن تكون بين أفراد المجتمع، ولا نعيش نظريات المثالية والأمنيات من دون تطبيق وعمل.
ومن الأمور التي ينبغي إظهارها في الآيتين السابقتين أن يعي المسلم مقوّمات دينه وبناء شخصيته التي تؤهله إلى القمة. فالعبادة صقل للروح وصلة بالله تعالى، وهي المقصد الرئيس من خلق الإنسان: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات، الآية 56)، وهي قيمته الحقيقية عند الله، وهي التي تبني في الإنسان التقوى وتؤهله للمعاملة الطيبة فيما بينه وبين غيره. فقيمة الإنسان الحقيقية هي بقدر قربه أو بعده من الله تعالى. ولا يمكن أن يكون الإنسان فاعلا للخير من دون دافعية ذاتية. وهذه الدافعية لا تأتي إلا من خلال إيمانه الذي تسهم هذه العبادات في زيادته؛ حين يثق بربه سبحانه، ويعلم حقيقة اليقين به والرضى عنه سبحانه. أما موضوع فعل الخير، فهو ترجمة تلقائية لمن أحسن عبادته لله؛ تلك العبادة الصادرة عن وعي وفهم، لا مجرد التقليد فيها أو جعلها عادة من دون أن تترك أثرا في النفس.
هذه العبادة المؤدية إلى فعل الخير تجعل الإنسان مؤهَّلا لمعالي الأمور، فهو الآن قد أدرك قيمة نفسه، ومعنى الحياة. وفي هذه اللحظة يعلم أن أسمى ما قد يتقرب به العبد لله هو نفسه التي بين جنبيه؛ أن يضحي بها رخيصة في سبيل الله. والعجيب أن الله تعالى قال هنا: "وجاهدوا في الله حق جهاده"، ولم يأت هذا اللفظ متعلقا بالجهاد إلا هنا، وجاء في سورة آل عمران متعلقا بالتقوى: "اتقوا الله حق تقاته"، وهو آكد من مجرد تقوى الله أو الجهاد في سبيل الله على الإطلاق؛ فكأنه تعالى يؤكد أن حق الجهاد لا يكون إلا من أناس فهموا مراد الله من خلقهم، فعبدوه سبحانه وفعلوا الخيرات كلها إرضاءً له، وها هم يبذلون كل ما في وسعهم من أجل رفع راية الله. والجهاد أعم من القتال، ويعم النفس والعدو والشيطان، ويعم كذلك كل فعل فيه مشقة مما تأنفه النفس وتتجازع عنه. وورد في الحديث أن إرضاء الوالدين والسعي في حاجاتهما جهاد: "ففيهما فجاهد".
وهنا في النص القرآني يذكرنا الله تعالى بأن الله اجتبى هذه الأمة، ونفى الحرج عن دينها. فهو دين اليسر لا العسر؛ الدين الذي شاء الله أن يكون الخاتم والناسخ للديانات كلها. وهي أمور تؤهِّل للشهادة على الأمم. ومن هنا يذكرنا ربنا تعالى بأنه جعل هذه الأمة على ملة إبراهيم، وسمانا مسلمين، ليكون الرسول شهيدا علينا ونكون شهداء على الناس. فهي أمور متصلة لا ينبغي فصلها عن بعضها؛ عبادة وفعل خير وجهادا وشهادة. وتكون الخاتمة والنتيجة أن نبدأ ولا نقف عند التنظير، فنقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونعتصم بالله، فهو مولانا، ونعم المولى ونعم النصير.
ما أجملها من خاتمة هذه التي تحثنا على الاعتصام بالله تعالى، فهو مسبب الأشياء، وهو على كل شيء قدير؛ هو مولانا وناصرنا، وهو غايتنا سبحانه. وحين يجعل المسلمُ غايته هي الله تعالى، حبا له، وعملا من أجله، وتعظيما له، وشكرا له، واستشعارا لمعيته، ورجاءً له، فهذا ما يريده العبد في النهاية؛ رضا الله تعالى. وهو مع ذلك إيجابي معطاء فاعل للخير مستشعر مسؤوليته، لا مجرد منكبّ على نفسه بعيد عن مجتمعه وأمته. هكذا فليكن المسلم لنفسه وأمته، وللإنسانية كلها.

*أكاديمي أردني

التعليق