الإعلام الدولي فشل في تغطية الحرب السورية كما ينبغي

تم نشره في السبت 14 شباط / فبراير 2015. 12:00 صباحاً
  • المدنيون في سورية غائبون عن الأخبار - (أرشيفية)

سكوت لوكاس* — (ذا كونفرسيشن)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

10/2/2015
شهد شهر شباط (فبراير) الحالي مسبقاً بعض التطورات الرئيسية في النزاع السوري الذي ما يزال مستمراً منذ أربعة أعوام. ففي بداية هذا الشهر، أطلق الثوار أكثر من 100 صاروخ سقطت في داخل العاصمة، دمشق، بينما أطلق الأسد قذائف الهاون على مناطق في عاصمته على أمل تقويض الثقة في المتمردين. وقد أسفرت الهجمات عن مقتل ستة أشخاص على الأقل.
ثم شن النظام ما يقارب 50 غارة جوية على مناطق تسيطر عليها المعارضة بالقرب من دمشق، ما أفضى إلى مقتل 82 شخصاً على الأقل. كما قتل 82 شخصاً آخرون في مدينة حلب (ثانية أكبر المدن السورية) عندما أصاب برميل متفجر حافلة عند إحدى المستديرات.
في الأثناء، ادعى الثوار أنهم نسفوا 30 رجلاً يقاتلون لصالح نظام الأسد –من من القوات التابعة لحزب الله، وإيرانيين وعراقيين- عند مقر للميليشيا يقع إلى الغرب من دمشق.
كل هذا بينما وجه الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة ضربات جوية في شرق سورية ضد الدولة الإسلامية "داعش"، وحيث تعهد الأردن بشكل خاص "بمحوها عن وجه البسيطة" بعد أن قتلت المجموعة طياراً أردنياً كان أسيراً لديها.
مع ذلك، ألق نظرة على التغطية الإعلامية العالمية، وربما لن تلام على التفكير بأن الأشياء ربما بدت لك أكثر هدوءاً مما هي عليه فعلاً.
صمت
إذا قرأت صحيفة "نيويورك تايمز" فإنه من غير المرجح أن تعلم الكثير عن هذا؛ فالصحيفة لا تتوافر على تغطية من مراسلين، وإنما تعتمد تقريراً لوكالة رويترز فقط. وينطبق الشيء نفسه على صحيفة "واشنطن بوست" وشبكة "سي. إن. إن" وفضائية الجزيرة بالإنجليزية. وماذا عن هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"؟ بينما تصاعدت الهجمات وارتفعت حصيلة الموت يوم 5 شباط (فبراير) الحالي، كانت القصة الرئيسية لديها هي تجريم مغني البوب السابق، غاري غليتر، بتهم الاعتداء الجنسي؛ لكن المؤسسة أدخلت في وقت لاحق تعديلات جزئية على موقعها الإلكتروني، بقصة وضعت النزاع السوري في العناوين: "مقتل العشرات في قتال عنيف في دمشق".
مع ذلك، اعتمدت مواد "بي بي سي" ووكالة رويترز كثيراً على المرصد السوري لحقوق الإنسان، والذي غالباً ما يمرر إشاعات ودردشات تستقى من وسائل الإعلام الاجتماعية كـ"شبكة" أخبار في في داخل سورية.
ثمة مسوغات عملية تفسر السبب في أن جمع وتداول الأخبار المهمة من سورية يشكل مثل هذا العمل المحفوف بالمكاره. لقد ترتب على الإعلام العالمي سحب صحفييه ومراسليه بسبب التهديدات التي يتعرض لها أمنهم، والتي ارتفعت حدتها بشكل كبير مع صعود مجموعة "الدولة الإسلامية"، وقد اضطر معظم المندوبين المحليين إلى الفرار من البلد لنفس الأسباب. وقد جعل ضباب الحرب والمحاولات التي تبذلها كل الأطراف لـ "تحوير" التطورات من أمر التحقق المستقل أقرب إلى كابوس.
لكنه يظل من الممكن تقديم تغطية معمقة يوماً بيوم عن النزاع، مع تحليلات مشغولة بعناية للأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية والعسكرية. وتستطيع حتى منظمة أخبار صغيرة أن تعمل مع ناشطين محليين ومصادر رسمية من كل الأطراف، من أجل إبقاء القراء مطلعين وطرح أسئلة جريئة.
لا تكمن المشكلة الحقيقية في استحالة "مشاهدة" ما يحدث في سورية. إن المشكلة تكمن في أنه بدلاً من التعامل مع تعقيدات الأزمة، فإن من الأكثر سهولة التعلق بروايات مبسطة والتي غالباً ما تكون مضللة وتعجز عن تفسير ما يجري على أرض الواقع.
قرب نهاية العام 2014، كان من الممكن تلخيص الرواية المحبذة (التي لم تتحقق) بالقول إن "الأسد يكسب". أما الثيمة في هذا العام، فهي "الجهاديون في مقابل المتطرفين في مقابل الجهاديين": ويشير هذا إلى كل من مجموعة الدولة الإسلامية، التي تقاتل ضد الثوار في سورية، وجبهة النصرة "المرتبطة بالقاعدة" والتي غالباً ما تقاتل مع هؤلاء الثوار (ولكن ليس دائماً).
من الطبيعي أن يكون الاهتمام الدولي الذي يتم إيلاؤه للدولة الإسلامية مفهوماً، ومع ذلك، فإن التغاضي عن أعمال الثوار في سورية والمعارضة لـ "جبهة النصرة" يشكل تشويهاً للوضع.
نقطة جذب رئيسية
بينما برهنت ميليشياتها شبه العسكرية كونها فعالة بما يكفي في ميدان المعركة، فإن جبهة النصرة توفر جزءاً فقط من القوات التي تقاتل ضد نظام الأسد. وهي صغيرة مقارنة مع أكبر فصائل الثوار، مثل "الجبهة الإسلامية" و"الجيش السوري الحر". وهذان يشكلان جزءاً من تكتلات مع الغالبية الواسعة من ثوار سورية، مثل "جبهة الشام" و"الجبهة الجنوبية"، وكل هذا يجري دون أن يلاحظ غالباً في الإعلام الغربي.
في الأشهر الأخيرة، لم تحول هذه المجموعات المعادية للأسد وجهة المد على قوات النظام في دمشق فحسب، وإنما حققت حالات تقدم ملحوظة في عموم سورية. وأحياناً، وعبر العمل مع جبهة النصرة، استطاعت الدخول إلى بلدات وقرى وسيطرت على قواعد عسكرية سورية.
وهي تسيطر الآن على معظم شمال غرب وجنوب غرب سورية. وفي كانون الثاني (يناير) من العام 2015، تقدمت من الجنوب باتجاه دمشق. كما أنها تقاتل مجموعة "الدولة الإسلامية" في عموم سورية، من محافظة حلب في الشمال الغربي إلى محافظتي حماة وحمص في الوسط، وإلى منطقة دمشق الكبرى.
ولكن، من دون وجود أي من توصيفات "جهاديين" أو "متطرفين" في العنوان الرئيسي، فإنه يبدو أن هذه الأخبار الحقيقية تسجل بالكاد أي حضور أو صدى خارج سورية نفسها.
نشر المتاح القريب فقط
من الناحية الفعلية، تخلى العديد من المحللين عن محاولة التقييم الشامل، نظراً لأنه من الأسهل بكثير والأكثر درامية نشر أحدث ثرثرة في الإعلام الاجتماعي عن مقاتل أجنبي. وهناك موقع عنكبوتي كامل مكرس لما يدعى "جهادولوجي"، وهناك وكالة أنباء بارزة تكتب "تحت العلم الأسود" عن الدولة الإسلامية، مع انتقادات مثل "‘احذروا الأقراط الشيطانية’ الدولة الإسلامية تنشر وثيقة للنساء".
على العكس من ذلك، يتم إنفاق وقت صحفي قليل نسبياً على رصد حالة المعارضة السورية ونظام الأسد، أو في الحقيقة حالة أفراد الشعب السوري الكثيرون الذين لا يصطفون مع أي من الأطراف المتنافسة.
المحصلة هي أن هناك نزاعين سوريين مختلفين جداً. فمن جهة، هناك الدراما التلفزيونية البيزنطية المقدمة في الإعلام الدولي، تلك الحكاية القديمة الطويلة عن الذبح، والتي تتغلب "الدولة الإسلامية" الشريرة من خلالها على الأسد في اللمعان وتعلو الفصائل المتطرفة على معارضيه الآخرين. والفصل الحالي هو: "الأردن يطلق غضبه على الدولة الإسلامية" حيث المدى والموقع والأثر المتعلقة بالضربات الجوية الأردنية تشرع في الوضوح.
في الأثناء، اختفى من المشهد النزاع السوري الأكثر أساسية -ذلك الذي يخلف نحو 200 قتيل يومياً؛ والذي أفضى إلى مقتل 300.000 شخص منذ العام 2011، وتشريد نحو 4 ملايين سوري في شتى أنحاء العالم، ونحو 7 ملايين في داخل البلد.
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

*أستاذ السياسة الدولية في جامعة بيرمنغهام.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 The international media is failing to report the Syrian war properly.

التعليق