مستقبل القوة

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2015. 12:00 صباحاً

جوزيف س. ناي*

ميونيخ - في الاجتماع السنوي الأخير للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، شاركت في لجنة مؤلفة من قادة الدفاع لمناقشة مستقبل المؤسسة العسكرية. وكانت القضية التي تناولناها بالغة الأهمية: أي نوع من الحروب ينبغي للمؤسسات العسكرية أن تستعد اليوم لخوضها؟
الواقع أن سجل أداء الحكومات بالغ السوء عندما يتعلق الأمر بالإجابة عن هذا السؤال. فبعد حرب فيتنام على سبيل المثال، قَمَعَت القوات المسلحة الأميركية ما تعلمته حول مكافحة التمرد، فقط لكي تعيد اكتشافه بالطريق الصعب في العراق وأفغانستان.
تجسد التدخلات العسكرية الأميركية في هذه البلدان تحدياً أساسياً آخر للحرب الحديثة. فكما أشار وزير الدفاع الأميركي المنتهية ولايته تشاك هاجل في مقابلة حديثة، في الحرب "قد تخرج الأمور عن نطاق السيطرة، وتنجرف، وتضل" إلى الحد الذي قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى الانزلاق للاستخدام "المتسارع" للقوة على نحو لم يكن متوقعاً في البداية. وعلى هذه الخلفية، يتبين لنا أن الفكرة بأن القوة وحدها قادرة على تحويل المجتمعات التي مزقها الصراع في الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم مغالطة خطيرة.
ولكن، وبالرغم من انحسار الحرب واستخدام القوة، فإنهما لم ينتهيا. بل تتطور الحرب والقوة ببساطة وفقاً لكل جيل جديد من القواعد والتكتيكات.
كان الجيل الأول من الحروب الحديثة يتألف من معارك تخوضها الجيوش بالاستعانة بقوات حاشدة من الجند مع استخدام التشكيلات الخطية والعمودية النابليونية. وكان الجيل الثاني، الذي بلغ ذروته في الحرب العالمية الأولى، مدفوعاً بقوة النيران الكثيفة، وهو ما عبرت عنه مقولة صيغت في معركة فردان في عام 1916، "المدفعية تقهر، والمشاة يحتلون". أما الجيل الثالث -الذي صقلته ألمانيا من خلال طريقة "الحرب الخاطفة" التي وظفتها في الحرب العالمية الثانية- فقد أكَّد على المناورة قبل القوة، مع استخدام الجيوش لأساليب التسلل والتغلغل للالتفاف حول العدو وإسقاط قوته من المؤخرة، بدلاً من مهاجمته وجهاً لوجه.
يدفع الجيل الرابع من الحروب هذا النهج اللامركزي خطوة أخرى إلى الأمام، مع غياب أي جبهات يمكن تحديدها على الإطلاق. بل تركز بدلاً من ذلك على مجتمع العدو، فتمد ذراعها إلى عمق أراضيه لتدمير الإرادة السياسية. بل وقد نضيف جيلاً خامساً، حيث تعمل التكنولوجيات، مثل الطائرات بدون طيار والهجمات الإلكترونية العدائية، على تمكين الجنود من البقاء على بعد قارات عن أهدافهم المدنية.
في حين قد تكون بعض التوصيفات الجيلية تعسفية بعض الشيء، فإنها تعكس اتجاهاً مهماً: عدم وضوح الجبهة العسكرية والمؤخرة المدنية. ولعل ما يعجل في هذا التحول هو تراجع الحروب بين الدول لكي تحل محلها صراعات مسلحة تدور بين جهات فاعلة غير تابعة لدولة بعينها مثل الجماعات المتمردة، والشبكات الإرهابية، والميليشيات، والمنظمات الإجرامية.
ما يزيد الأمور إرباكاً هو التداخل بين هذه المجموعات، والتي يتلقى بعضها الدعم من دول. فقد عقدت القوات المسلحة الثورية في كولومبيا -أقدم العصابات المسلحة في أميركا اللاتينية- تحالفات مع عصابات المخدرات. وأقامت بعض الجماعات المنتمية إلى طالبان في أفغانستان وأماكن أخرى علاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة الإرهابي العابر للحدود. ويقاتل المتمردون في شرق أوكرانيا جنباً إلى جنب مع قوات روسية (لا تحمل أية شارات).
تستغل مثل هذه المنظمات في كثير من الأحيان الدول التي تفتقر إلى الشرعية أو القدرة على إدارة أراضيها بشكل فعّال، فتطلق خليطاً من العمليات السياسية والمسلحة التي تمنحها بمرور الوقت سيطرة قسرية على السكان المحليين. والنتيجة هي ما أطلق عليه الجنرال سير روبرت سميث، القائد البريطاني السابق في أيرلندا الشمالية والبلقان، وصف "الحرب بين الناس" -وهو ذلك النوع من الصراع الذي نادراً ما يُحسَم في ميادين القتال التقليدية بواسطة جيوش تقليدية.
تُخاض هذه الحروب الهجينة باستخدام مجموعة واسعة من الأسلحة -وليست كلها تعتمد على قوة النيران. فمع وجود كاميرات في كل هاتف محمول وبرامج لتحرير الصور في كل جهاز حاسوب -ناهيك عن انتشار وسائل الإعلام الاجتماعية- أصبح سباق المعلومات يشكل جانباً بالغ الأهمية من الحروب الحديثة، وهو ما تجسد في الحروب الحالية في سورية وأوكرانيا.
في الحروب الهجينة، يحدث تداخل وتشابك تام بين القوات التقليدية وغير التقليدية، والمقاتلين والمدنيين، والدمار المادي والتلاعب المعلوماتي. ففي لبنان في العام 2006، حارب حزب الله إسرائيل بالاستعانة بخلايا جيدة التدريب جمعت بين الدعاية، والتكتيكات العسكرية التقليدية، والصواريخ التي تطلق من مناطق مدنية مكتظة بالسكان، لكي يحقق ما اعتبره كثيرون في المنطقة نصراً سياسياً. ومؤخرا، أدارت حماس وإسرائيل عمليات جوية وبرية في قطاع غزة المكتظ بالسكان.
ظهر هذا النوع من الحروب في الاستجابة للميزة العسكرية التقليدية الساحقة التي حظيت بها أميركا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والتي تأكدت بانتصارها في حرب العراق في العام 1991، حيث لم تتجاوز الخسائر الأميركية 148 جندياً، ثم تدخلها في الصراع في كوسوفو في العام 1999، والذي لم يسفر عن أي خسارة بين صفوف القوات الأميركية. وفي مواجهة هذا اللاتماثل، بدأ خصوم أميركا -سواء من الدول أو جهات فاعلة غير تابعة لدول- بالتأكيد على تكتيكات غير تقليدية.
في الصين على سبيل المثال، طور المخططون العسكريون استراتيجية "الحرب غير المقيدة" التي تجمع بين أدوات إلكترونية، ودبلوماسية، وسيبرانية، وإرهابية بالوكالة، واقتصادية، ودعائية، لخداع واستنزاف الأنظمة الأميركية. وعلى حد تعبير مسؤول عسكري صيني فإن "القاعدة الأولى للحرب غير المقيدة هي عدم وجود أي قواعد".
من جانبها، تحاول الجماعات الإرهابية، التي أدركت أنها لا تستطيع إلحاق الهزيمة بجيش تقليدي في حرب مباشرة، استخدام قوة الحكومات ضدها. ففي أعمال عنف مسرحية، أثار أسامة بن لادن غضب الولايات المتحدة واستفزها إلى الحد الذي دفعها إلى المبالغة في ردود أفعالها على النحو الذي أدى إلى تدمير مصداقيتها، وإضعاف حلفائها في العالم الإسلامي، وفي نهاية المطاف استنزف مؤسستها العسكرية -ومجتمعها بشكل ما.
الآن، يوظف تنظيم الدولة الإسلامية استراتيجية مماثلة، فيخلط بين العمليات العسكرية الشرسة والحملات المهيجة على وسائل الإعلام الاجتماعية، والتي تتخللها الصور ومقاطع الفيديو لعمليات إعدام وحشية، بما في ذلك قطع رأس مواطنين أميركيين وغربيين آخرين. وقد تسببت هذه الجهود في حشد أعداء تنظيم الدولة الإسلامية، في حين ألهمت عدداً متزايداً من الأفراد الساخطين والجماعات لتجنيد أنفسهم ذاتياَ تحت لواء التنظيم.
إن تطور الحروب على هذا النحو الذي لا يمكن التنبؤ به يفرض تحدياً خطيراً على المخططين الدفاعيين. وبالنسبة لبعض الدول الضعيفة، توفر التهديدات الداخلية أهدافاً واضحة. ويتعين على الولايات المتحدة من جانبها أن تعمل على إيجاد التوازن بين الدعم المستمر لقواتها العسكرية التقليدية التي تظل تشكل رادعاً مهماً في آسيا وأروبا، والاستثمار في حافظة واسعة من القدرات البديلة التي تحتاج إليها الصراعات في الشرق الأوسط. وفي وقت يتسم بهذا القدر غير المسبوق من التغير، يتعين على الولايات المتحدة -وغيرها من القوى الكبرى -أن تكون مستعدة لأي شيء.

*أستاذ العلوم السياسية وعميد سابق لمدرسة جون كينيدي الحكومية في جامعة هارفارد. تولى عدة مناصب رسمية منها مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بل كلينتون ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني. اشتهر بابتكاره مصطلحي القوة الناعمة والقوة الذكية وشكلت مؤلفاته مصدراً رئيسياً لتطوير السياسة الخارجية الأميركية في عهد باراك أوباما.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق