عيسى الشعيبي

لعب وجد وثلج

تم نشره في الثلاثاء 24 شباط / فبراير 2015. 12:04 صباحاً

يمكن تلخيص واجبات الدولة المدنية الحديثة تجاه مواطنيها بكلمتين اثنتين، لا ثالث لهما: الأولى، هي الرعاية؛ والأخرى، هي الحماية. ولا تنجلي كفاءة مثل هذه الدولة أو تلك أمام غيرها، إلا عندما تواجه أزمة داخلية طارئة، حتى وإن كانت طبيعية، أو حينما تتعرض لتهديد خارجي مباغت.
وأحسب أن المواطن غير المشتغل بالسياسة، لا يطلب من صاحب الولاية العامة سوى توفير الرعاية الاجتماعية بمفهومها الشامل، والتي هي خدمات تعليمية وصحية وبيئية وما الى ذلك. كما لا يتساهل المواطن، أيا كان موقعه وكانت درجة ثقافته، في مسألة الحماية، التي هي أمن واستقرار بمعنيهما الواسعين.
ولكن، لماذا نقول هذا الكلام الكبير ونحن في معرض أمر صغير، مثل العاصفة الثلجية الأخيرة التي كانت بمثابة اختبار آخر جديد لقدرات الدولة على الوفاء بواجباتها التلقائية إزاء الناس الذين تتحمل عنهم، وأحيانا معهم، مسؤوليات توفير الرعاية بأعلى درجة ممكنة من الأداء المرغوب فيه؟
ليس من شك في أن الدولة، بما هي حكومة وأجهزة ومؤسسات إدارية ونظام عام، كانت في مستوى التوقعات خلال أيام هذه العاصفة التي بدت أقل مما كان يهول به المتنبئون الجويون علينا. بل إن الأداء الرسمي جاء أفضل بكثير مما كانت عليه الحال في العواصف الثلجية السابقة، وهو أمر يدعو إلى الثقة والاطمئنان حقاً.
قد يكون ارتفاع مستوى الأداء في مواجهة الامتحان الجديد، ناجماً عن التعلم من التجربة الذاتية، وعن تراكم الخبرات المكتسبة، ناهيك عن حسن الاستعداد، وجودة الأدوات الفنية، وفاعلية المستويات الإدارية المعنية، وغير ذلك من الأمور التنظيمية، والفعاليات المنسقة جيداً عبر المركز الوطني المناط به التعامل مع الأزمات الطارئة.
غير أن ذلك كله، ورغم أهميته الفائقة، ما كان له أن يرتقي بمستوى الرعاية إلى هذه الدرجة النسبية العالية، لو لم يكن الإعلام بكل وسائله، حاضراً بقوة، ومراقباً عن كثب لمدى حسن إدارة التعاطي مع العاصفة الثلجية، حيث بدا المسؤولون تحت الضوء المكثف، وهم يتابعون مهامهم بلا كلل، خشية اتهامهم بالتقصير ولومهم بالتقاعس.
ويبدو أن مضاء الماكينة الإعلامية المحلية، من محطات تلفزيون، وإذاعات "FM"، ومواقع إلكترونية، قد فعلت فعلها بأكثر مما ينبغي، الأمر الذي خلق ما يشبه حالة هلع استبدت بكل من لديه مسؤولية ما إزاء إدارة الأزمة، وذلك على نحو ما اتضح من استجابات المعنيين المفرطة لكل شكوى أو ملاحظة كان يتم نقلها من خلال الشاشة وأجهزة التلفون المحمولة.
إلا أن هذا الأمر على حسناته الكثيرة، أوجد في المقابل حالة من المغالاة في الطلب على كل أشكال الخدمة، أيا كانت صغيرة أو تافهة، إلى حد بدا فيه المواطن "يتدلل"، ويأخذ على خاطره تجاه كل مسألة عابرة تعرض لها إبان الثلجة، ويجأر بأعلى صوته إذا تأخرت الجرافة مثلا عن إزاحة الثلج من باب داره.
ولعل أبلغ حالات الدلال هذه، وفق ما نشرته "الغد" وتناقلته وسائل إعلام عربية من باب الفكاهة، طلب سيدة من إدارة الدفاع المدني إزالة الثلوج المتراكمة على صحن "الستلايت" فوق سطح منزلها. وهو ما يشكل واقعة طريفة، لكنها كاشفة عن مدى الشعور الذي تلبس البعض بأن أجهزة الدولة مجرد ملكية خاصة له، عليها أن تلبي فورا أدنى احتياجاته الشخصية.
ولما كان الدفاع المدني قد تلقى وحده أكثر من أربعة آلاف شكوى في غضون أيام العاصفة الثلجية القصيرة، وددت لو أن أحد خبراء علم النفس الاجتماعي يقوم بدراسة هذه القائمة من الطلبات المتفاوتة الأهمية، لعل ذلك يقدم لنا صورة، ولو كانت جزئية، عن المزاج العام السائد لدى مثل أولئك المواطنين المسكونين بالأنانية المفرطة، والتشاوف على الغير، والدلال على الدولة.
لقد كانت أيام العاصفة الثلجية بمثابة اعتقال منزلي قصير، التزمت بها الأكثرية الكاثرة من الناس طوعاً وبصورة طيبة. إلا أن نفرا بين ظهرانينا، ممن كسروا قواعد الحذر والتحوط إزاء شتّى المخاطر المحتملة، وغامروا بأنفسهم وعائلاتهم ومركباتهم، للتمتع بالمشهد المترع بالبياض في الشوارع العامة، فكانوا هم الاستثناء على القاعدة. إلا أن ذلك لم يبدد الصورة الإيجابية، فمرت العاصفة من دون خسائر تذكر، وكان الأداء الحكومي يستحق التنويه والإشادة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عن العاصفة .. ما لها وما عليها (أحمد العربي - عمان)

    الثلاثاء 24 شباط / فبراير 2015.
    بعد تقديم الاحترام للاستاذ عيسى وبعد,فقد قرأت بالامس أن الخسائر الناجمة عن عاصفة جنى بلغت نصف مليون دينارواذا ماصح هذا الرقم فان مرور العاصفة لم يكن سهلا اذ ان مثل هذا الرقم في وطن تزيد مديونيته عن عشرين مليارا وستلامس الخمسة وعشرين في نهاية هذا العام حسبما أعلن ايضا, اقول هنا أولا , لا اعتراض على ارادة الله ولكن توالي النزف المالي سيزيد في معاناة الوطن وجيوب مواطنيه, وقد لا يخفى على الاستاذ المحترم أن عدم تفعيل الرقابة أدى الى استمرارارتفاع بيض المائدة مثلا حيث كان الوعد بالتدخل حيث أن تلك المادة اساسية ومن المستبعد أن يتم تشبيهها بحالة من طلبت تنظيف صحن الستلايت حيث أن الاخيرة حالة فردية لا يجري القياس عليها. مدينة الطفيلة حرمت من الكهرباء سبعة عشر ساعة وهذا ادى الى نقص كبير في مادة الخبز وتلك أيضا حالة غير فرديه؛المواطن اذن في الغالب غير راغب الا في تجاوز أخطارمتوقعه من العاصفة فكل شيء يمتلكه ويتضررله ثمن تتفاوت القدرات في تعويضه وهذا أحد الجوانب الهامة في أخذ الحيطة قبل واثناء العاصفة ناهيك عن الخوف على الاسرة والاصدقاء ولهذا فان من خرج بسيارته دون اضطرار لا يشكل رقما صعبا يمكن البناء عليه. الخدمات التي قدمت تحظى بالتقدير لكن الاشارة الى جوانب أمكن تلمسها عن تاخير الخدمة وحجم الخسائر المادية, يصب في خانة الطموح للافضل والحيطة على الجيب في المستقبل, مثلما يصب في خانة ايلاء المزيد من الثقة لوعي المواطن الذي تثبت الايام والفواصل تناميه واستمرار تقدمه لانه البوصلة التي يتمسك بها الاردني في مواجهة " عواصف" الجو والبر.. حمى الله الاردن والامة .