موفق ملكاوي

الخديعة مستمرة

تم نشره في الأربعاء 25 شباط / فبراير 2015. 12:06 صباحاً

كم ينبغي لنا من أفعال معجزة، لكي نستطيع فقط أن نمسح ما استنّه أهل الإسلام من إفكٍ بهذا الدين خلال العقود الثلاثة الماضية، فقط؟
منذ أن اختلفنا في ديننا، جاءت فرق كثيرة، جميعها امتلكت الحقيقة واحتكرتها. وللأسف، بعضها أخرجنا من الدين، من دون أن يطرف له بصر. وبعضنا، كذلك، ساند تلك الفرق علينا، من دون أن يدرك أنه يلغي نفسه بالتأييد الذي يمنحه إياه.
في السياق؛ فإنني لا أتحدث عن السياسة التي من الممكن أن تكون قذرة، أو فيها الكثير من القاذورات التي يمكن أن تصبغ طريقنا. لكنني أتكلم عن الحياة التي لا بد أن نعيشها،
وأن نخوض فيها حتى النهاية.
اليوم؛ أكثر من يتم زهق أرواحهم باسم الجهاد واسم الإسلام هم المسلمون. يتم "التضحية" بهم على مذابح شعارات برّاقة؛ الدين والوطنية والقضايا المصيرية.
مرّت فترات من تاريخنا الأسود، كنا، كعرب، نُذبح فيها على مرأى من العالم، تحت "العناوين الفضفاضة" للوطنية والقومية. هل يأتي هذا الأمر مصادفة؟! لا نظن ذلك.
منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، ومنذ أن تفتق العقل الإمبريالي عن "تغريب الجهاد"، حين فتح جبهة ما كان يسمى مقاومة "السرطان الأحمر" في أفغانستان، وصولا إلى تجنيد آلاف الشباب المسلم والزجّ بهم في المعركة لصالح وكالة الاستخبارات الأميركية، تشتتت بوصلة المصلحة الوطنية والقومية والدينية، وتم التأسيس لتيار عريض داخل المجتمعات العربية والإسلامية يؤمن بالعنف، حتى داخل مجتمعاته، من أجل الوصول إلى السلطة التي يريدها هؤلاء مطلقة، ومحمولة على البعد الديني.كان الشيخ عبدالله عزام أول من فعل ذلك، وجند في سبيل هذا الأمر آلاف الشبان الذين كان بعضهم مخدوعا، فيما عرف كثيرون البوصلة التي كانت في طور التشكّل حينها. وكان الهدف من تلك "الهجرة": إقامة الخلافة الإسلامية التي وعدهم بها الغرب.
لا نريد أن نناقش نيّة الشيخ عبدالله عزام، وما إذا كان يدرك أنه، وللمرة الأولى في التاريخ الحديث، يحاول أن يبدل وجهة الصراع التي تعارف عليها العرب منذ مطلع القرن الماضي، إلى وجهة جديدة تمثلت في أرض غريبة تماما، ولم نكن ندرك كيف ننطق اسمها من قبل.
نحن لا نحاكم النوايا، ولكننا بالتأكيد نستطيع أن نقيس الأثر بعد زهاء أربعين عاما من مداولة المأساة.إن ما اختطه عبدالله عزام، ومن بعده تلميذه "الألمعي" أسامة بن لادن، واجتهادات أبو مصعب الزرقاوي القاتلة، وصولا إلى التجليات الخيالية لأبو بكر البغدادي الذي نصب نفسه خليفة للمسلمين على بقعة جغرافية متغيرة الحدود والمساحة، ومخالفا بذلك جمهور العلماء حول الخلافة والدولة، هي كلها، تجليات أرساها الرعيل الأول من المجاهدين، وسار عليها تلامذة آمنوا بتلك الأفكار القاتلة، لتنتشر بسرعة داخل مجتمعاتنا الواقعة تحت ضغوط البطالة والفقر والإحباط.
في المحصلة، كان هناك مخدوعون حقا، وآخرون مسايرون للخديعة، وجزء من المؤامرة التي أفرغت الساحات من زينة شبابها، كان لمصلحة تحييد الصراع الأصيل في المنطقة، والذي لا بد أن يكون بين العرب والإسرائيليين الذين ينزرعون في خاصرتنا كما السرطان.
إذا أردنا أن يكون لنا، حقا، مكان فوق هذه البسيطة، فينبغي لنا أن نعيد دراسة التاريخ الحديث، ولا نقول قديم التاريخ. وعندها سوف نكتشف أننا تعرضنا للخديعة مرة تلو الأخرى. وسنكتشف، كذلك، أن ما يحدث اليوم يسير بخطى مستقيمة منذ أن استقلنا من التفكير، وتركنا هذه المهمة لأجهزة المخابرات الغربية التي أقنعتنا أن "الطريق إلى فلسطين تمرّ عبر قندهار".لا نريد لنظرية المؤامرة أن تقود خطانا دائما، ولكن لنعترف أن ثمة أخبارا كثيرة تقول إن واشنطن تمول "داعش" بالسلاح، ويكفي أن نستذكر حادثة يوم السبت الماضي لكي نضع أيدينا فوق قلوبنا، ونحن نتحدث عن شراكة لمواجهة خطر هذه الفئة الإرهابية.قد لا تكون الأخبار صحيحة. ولكن ماذا لو كانت كذلك؟!

التعليق