جهاد المحيسن

الدولة المدنية ليست منزلة بين منزلتين

تم نشره في الأربعاء 25 شباط / فبراير 2015. 01:05 صباحاً

سعى الإنسان على إطلاقه، وعلى مر تاريخه، إلى أن يعيش بحرية وكرامة، وأن يتحقق له العدل والمساواة في حدودهما الدنيا على الأقل. لذلك، خاض المتنورون والثوريون والعمال والفلاحون والمثقفون صراعاً مريراً ودموياً لتحقيق هذا الحلم على مر الزمان؛ على الأطر الدينية التي تحكم مقاليدها على السلطة قبل أن تتأسس الدولة الحديثة.
ولعل العرب هم في أمس الحاجة لمثل هذا النوع من الثورات. وعلى الرغم من أن الدول العربية، باستثناء السعودية، هي دول علمانية بحكم دساتيرها، إلا أن ذلك لم ينعكس على بنية تفكير وثقافة مواطنيها، ولا على مؤسساتها. وتنطبق الحال علينا، لأن الفصل ما بين السياسي والديني محفوف بالمخاطر من جهة منظري هذه الدول. لذلك، بقيت مسألة "علمانية الدولة" تراوح مكانها، وذلك لضرورة يقتضيها توظيف هذا الخطاب في قضايا تخدم مصالح السلطات السياسية.
فعندما تحدث رئيس الوزراء عن "مكافحة التطرف"، وقدم في حديثه ذلك توصيفاً للدولة الأردنية "بأنها دولة لا علمانية ولا دينية"، لم يجانبه الصواب في التوصيف، فنحن ما نزال نراوح مكاننا في كل شيء؛ في الإصلاح السياسي والاقتصادي، ومحاربة الفساد، وحتى محاربة التطرف ذاته. ذلك أن الدولة لم تعد بعد ضرورة الحسم في كثير من القضايا العالقة أعلاه، ومن ضمنها الدولة المدنية.
المثير في الأمر البيان الذي أصدره بعض السادة النواب، الذين فهموا من هذه التصريحات أن الرئيس يريد الأردن "دولة ملحدة". وأنا على يقين أن الرئيس لم يقصد ذلك. وليس هذا من باب الدفاع عنه، ولكن من باب الدفاع عن الدولة المدنية التي يهرب إلى الوراء أي مسؤول أردني في حديثه عنها بجدية. فالدولة المدنية تعني، بكل بساطة، سيادة القانون، ودولة المواطنة، والمشاركة السياسية، وحكومة منتخبة من الشعب. والأفق لا يشير إلى استعدادنا لذلك الآن. ولا يعني ذلك أننا كمواطنين وقوى تنويرية، لا نريد ذلك، بل إرادة الدول التي تتلذذ في المراوحة بشأن كل الملفات العالقة.هذا البيان يؤكد تغلغل الديني واختلاطه بالسياسي "مصلحياً"، كما خطبة الجمعة التي سمعتها بُعيد تصريحات الرئيس، والتي أصر فيها الخطيب على أننا دولة دينية رغم كل ما يقال -ولم يشر بصراحة إلى الرئيس- لكن هو المقصود. كما أصر على أن دولة الخلافة قادمة لا محالة، واستشهد بالحديث النبوي الذي يتحدث عن الخلافة الراشدة والخلافة العضوض، أي "الحكم المغتصب"!فأي دولة مدنية يتحدث عنها الرئيس، فيقول "إننا دولة لا علمانية ولا مدنية"؟ هذا الحديث يذكرنا بسجال المعتزلة مع الأشاعرة حول مرتكب "الكبيرة"، هل هو مؤمن أم كافر؛ عندما قال المعتزلة عن هذه الحالة بأنها "منزلة بين منزلتين". ففي هذا السياق الذي يتحدث عن مدنية الدولة، لا ينفع خطاب "المنزلة بين المنزلتين". بل الحسم بمدنية الدولة واجب، بحكم الدستور الأردني. لذلك وجب التنبيه!

التعليق