متطفلون يقتحمون مناسبات اجتماعية.. والحرج سيد الموقف

تم نشره في الاثنين 2 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً

إسراء الردايدة

عمان-  بين كرم الضيافة والحضور بدون دعوة خيط رفيع، حيث اللباقة العامة تغيب عند بعض المتطفلين الذين يقتحمون المناسبات الاجتماعية أيا كانت مسببين الإحراج للقائمين عليها.
هؤلاء المتطفلون يقبلون على الدعوات الاجتماعية، لا سيما تلك التي يحتفي أصحابها بمدعويهم بعشاء خاص أو ضيافة مميزة؛ حيث يأتي زائرون معهم أو مرافقون زائدون ليسوا من قائمة المعازيم، ما يشكل إرباكا للقائمين على المناسبة.
غرباء داخل المناسبة يتراشقهم الجميع بالنظر والسؤال “من هم؟”، حيث لا أحد من طرفي الفرح أو من أصحاب الدعوة يعرفهم، يجلسون بدون أدنى حرج.
وجود هؤلاء الغرباء قد يثير الضحك أحيانا؛ حيث يعيد للأذهان فيلما اكتسح الشاشات ويحمل اسم “متطفلو العرس” لمخرجه ديفيد دوبكين؛ إذ يقوم صديقان باقتحام أي عرس يصادفهما في الطريق حتى يقعا في النهاية في مأزق وموقف محرج يجعلهما يغيران من عاداتهما، ولكن هل يمكن تقبل هذه المواقف في الحياة اليومية؟
مختصون يرون “التطفل على المناسبات عادة “قبيحة” وسلوكا بغيضا وممارسها هو شخص “بليد” و”لا معياري”، لا يفهم حدوده ويحتاج إلى الحزم في التعامل ونهر”.
وبين تقبل الموقف ورفضه وحتى طريقة التعامل، تختلف الحالات على أرض الواقع في الضيوف المتطفلين، فما حصل في حفل زفاف عمر وراية كان أمرا لا يمكن السكوت عنه، خصوصا أن عدد المدعوين كان محدودا في مزرعة لأحد أقاربهما، وإذ بهما يجدان نفسيها في موقف حازم لا يمكن قبوله حين قرر أحد الأصدقاء أن يحضر بصحبة أصحاب مشتركين لهما لم يكونوا على قائمة المدعوين.
وهذا الموقف، بحسب الثلاثيني عمر جرار، مر عليه خمسة أعوام، لكنه كلفه فقدان صداقته لكل هؤلاء لأنهم كانوا يدركون أن الحفل مقتصر على الأسرتين بسبب وضع عائلي لم يكن يسمح بأي غريب عنهم.
ويبرر جرار أن الأمر لا يرتبط بعدم الترحيب بهم بقدر ما هو مرتبط بالخصوصية لمن كان حاضرا وبناء على طلب منهم بأن يكون الحفل عائليا فقط.
وتعامل عمر وراية كان بمثابة الصدمة للجميع؛ حيث طلبا منهم بكل هدوء أن يغادروا، رغم البلبلة التي حصلت وكادت تتحول لعراك، لكن صديقه رغم اقتحامه الحفل اعتذر وغادر مبررا أن حضوره المفاجئ هو لإضفاء أجواء البهجة على جو العرس العائلي والوقوف الى جانب صديقه.
لكن في المقابل، كان الضيوف غير المدعوين مرحبا بهم بامتعاض واضح في حفل غداء كبير أقيم بمناسبة نجاح ابن الأربعينية “أم خالد”، مبينة أن الحفل كان كبيرا والطعام فائضا، لكن حضور إحدى جاراتها بمرافقة صديقات لها لا تعرفهن لأنهن زرتها في الوقت نفسه كان أمرا مستهجنا لكنه لم يمنع أن ترحب بالجارة و”ضيفاتها”.
وتضيف أم خالد أن هذا التصرف لم يفاجئها، لكنه جعلها تفكر مستقبلا بمن تختار ليدخل منزلها وأن تنبه مدعويها مسبقا بحصرية الدعوة، وتعتبر أن الضيف بمجرد حلوله له حق الضيافة، حتى لو يكن في موضع ترحاب.
مثل هذه التصرفات ينم عن شخصية “لا معيارية”، بحسب الاختصاصي الاجتماعي د. حسن محادين، الذي يشير إلى أن هذا السلوك غير مقبول تحت أي شكل من الأشكال، ومن يقوم به لا يدرك ماهية المحددات والنظم الاجتماعية التي تقيمها الجماعات مع بعضها في المجتمع، وبالنسبة له فإن الأنا الغريزية التي ترتبط بمعنى الغذاء؛ أي الأساسيات، لا تتواجد لذلك يبحث عنها داخل التجمعات.
ويتابع محادين، أن هذا الشخص يرى في فكرة الجموع التي تتمثل في المناسبات الاجتماعية فرصة للظهور والانصهار والتعرف على الآخرين رغم كونه غير مرحب به.
وقد يصل حد الظهور غير متوقع لموقف إحراج جماعي لكلا الطرفين، ويخرج الأمر على نطاق السيطرة، وهنا الموقف الحتمي هو التعامل بفظاظة، حين اضطرت الأربعينية خولة الصاحب أن تطلب من بعض نسوة لا تعرفهن أن يغادرن بهدوء بعد أن حضرن فجأة ضمن مجموعة تعرف بعضها، ضمن إفطار جماعي نظمته في أحد المطاعم.
وتلفت خولة الى أنها فوجئت حين دخلت بعض المدعوات برفقة سيدات أخريات لا تعرفهن، ليضاعف العدد مرتين عن المخصص، وهنا لم تجد مخرجا سوى الطلب منهن المغادرة كونها مناسبة خاصة للمدعوات فقط وسيناقشن أمورا تخصهن.
وبالطبع، بحسب وصفها، كانت ردة الفعل عنيفة؛ حيث غادرت بعض النساء واستهجن ذلك التصرف، فيما وقفت أخريات لجانبها، بأن هذه الدعوة خاصة.
وفي موقف آخر في حفلة بمناسبة تخرج العشرينية زين النمري؛ حيث دعت صديقاتها وزميلاتها، وجدت أن بعضا منهن أحضرن صديقاتهن وأخريات اصطحبن أخواتهن وأمهاتهن، والنتيجة اكتظاظ في المنزل على المقاعد وحتى في حجم الضيافة.
ولم تجد زين مخرجا سوى طلب مزيد من المقاعد والضيافة لتلبي الحاجة، ورحبت بهن، مشيرة الى أنها تعرفت على وجوه جديدة باتت صديقة لها، رغم الإحراج الذي تعرضت له، لكن هؤلاء قدمن ليشاركنها فرحتها.
إلا أن الاختصاصي النفسي والتربوي
د. موسى مطارنة، يرى أن هذه الشخصيات “المتطفلة” تعاني من “البلادة وعدم الإحساس”، وتقيس الأشياء بحسب معاييرها وتستنتج ما تريد بمعنى آخر أنهم يقيسون الأمور وفق مقاييسهم.
ويتابع “يستجيب هؤلاء لتوقعاتهم من الطرف المقابل أن يلبيها فيما الحقيقة هم عكس ذلك، ويظهرون تصرفات تعبر عن الرغبة في الاندماج بينما هم عكس كل هذا، على سبيل المثال يظهرون الكرم وحب المشاركة فيما الحقيقة هي البخل والنفاق”.
وعلى الصعيد النفسي، يؤكد مطارنة أن المتطفلين، شخصيات غير متوازنة نفسيا، وهي شخصية سيكوباتية تمنح الحق لنفسها بالتعايش على الآخرين والأخذ منهم وإقحام نفسها مع المجموعات، ولكنها فعليا غير قادرة على التفاعل الاجتماعي.
فيما يعتبر الاختصاصي النفسي د. محمد حباشنة، أن مثل هذه التصرفات ترتبط بانخفاض معدل الذكاء العاطفي لديهم، في الوقت الذي نعيش فيه في مرحلة لامعيارية؛ أي لا تندرج بين مقاييس الحياة الحديثة والتقليدية ومتغيرات الاثنتين معا.ويوضح أنه في الحياة الحديثة، فإن الالتزام بالدعوة والدقة أمر مهم، فيما في المقاييس التقليدية الأمر يرتبط بالواجب وتلبية الدعوة.
ويذهب حباشنة الى أن بعض الشخصيات الهستيرية تفعل أي شيء لتبلية حاجاتها مثل الجوع والاندماج بالمحيط، وهذه بالعادة فروق فردية لها علاقة بالذكاء الاجتماعي والعاطفي وضعفهما.وبين قبول ورفض لتلك الشخصيات “المتطفلة”، يبقى القول إنها ليست ممارسات شائعة، لكنها تحصل بين الفينة والأخرى بحجة التحرر، في تغييب لمفهوم مساحة الآخر وظروفه، تاركة المجال للذوق العام ليحكم مثل هذه المواقف.

israa.alhamad@alghad.jo

التعليق